"لن أصبح ألمانياً، ولا أشبه السوريين في سوريا"... عن "العالقين" بين البيت والغربة

@ رصيف22


"ألا تفكرين في العودة إلى بلادنا؟"؛ أسأل عمّتي، فتجيب: "كلّ يوم". فأسألها مرةً أخرى: "أفلا تعودين يوماً ما؟". تسكت قليلاً، ثمّ تقول: "قلتُ لك من قبل، أنا غريبة هنا، لكنّني إن عدتُ إلى بلادنا، فسأكون غريبةً هناك أيضاً. الغربة بين الغرباء، أفضل من الغربة بين الأهل، في بلاد الأصل".

وأنا أهمّ بكتابة نصٍ عن أولئك "العالقين" بين عالمين؛ عالم النشأة، وعالم المنفى، و/ أو الغربة، أتذكر هذا الحديث الذي دار بيني وبين عمّتي، المقيمة في هولندا منذ العام 1997. منذ أربعةٍ وعشرين سنةً، وهي تعيش بعيداً عن ذكريات طفولتها، وشوارع كبرت ولعبت فيها. أوردت هذا الحديث في نصٍ كتبته عن منافيّ المتعدّدة، وقلتُ إنّني، مثل عمّتي، غريبٌ هنا، وغريبٌ هناك.


نخلقُ فقاعاتٍ تحمينا

بعد سنوات طويلة في المنفى، يحار المرء في وصف نفسه؛ فلا هو صار مثل أهل البلاد التي لجأ إليها، ولا تطورت حياته مثل حياة أولئك الذين يعيشون في بلاد الأصل، وأتحدث هنا بشكل رئيسي عن أوروبا، بناءً على خبرتي كغريبٍ، تجاوزت إقامته فيها عشر سنوات، وعلى ما سمعت من قصص منفيين وغرباء في دولٍ أوروبية مختلفة. تغيّرنا عن أولئك الذين تركناهم خلفنا في البلاد، ولم نصِر أوروبيين مثل الأوروبيين، بل صرنا "شيئاً" بينَ بين.


خلقنا لأنفسنا مجتمعاتٍ موازيةً، وتجمعات صغيرة، وفقاعات، تحمي ذكرياتنا من ناحية، لكن تمنعنا من الاندماج في مجتمعاتنا الجديدة من ناحيةٍ أخرى (ليس هذا سبب عدم الاندماج الوحيد، فالعنصرية، والقوانين غير المُرحِّبة، وغيرها من الأمور التي تعرقل اندماجنا، لكن هذا حديث آخر، وليس هنا مكانه).


لم نولد هنا لنكون أوروبيين، ولم نعِش هنا سنواتٍ طويلةً (ثلاثين، وأربعين، وخمسين سنةً)، لتتغير عاداتنا وأفكارنا ونصبح مثلهم، لكنّنا ابتعدنا عن بلادنا سنوات كثيرة، وما يجري فيها لا نعرفه.


دمشق-برلين

لي صديق يزور دمشق مرةً، كلّ بضعة أشهر. صديقي هذا، الذي أتحفّظ عن ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية، يعيش في ألمانيا منذ ما يقارب خمس عشرة سنة، حين قدم إليها للدراسة. يقول لي إنّه يشعر في كلّ زيارة، بالغربة أكثر، وهو من عاش سنوات عمره الخمسة والعشرين الأولى في دمشق.

"لا أعرف كيف يعيش الناس هناك؟ أحتاج أياماً عديدةً هناك، حتى أستعيد قدرتي على المشي في الشوارع، وشراء البضائع". يقول لي.


بعد أن أتمّ دراسته الجامعية في ألمانيا، وحصل على جنسيتها، قرّر صديقي البقاء والعيش فيها، مزركشاً حياته بتفاصيل سورية. يريني أشياءً جلبها معه من دمشق؛ قطع ديكور صغيرة، ولوحات حائط، وصور، وكتب. يقول لي إنّ الحياة الألمانية تتعبه؛ "لم أصبح ألمانياً بعد، وعلى الغالب لن أصبح ألمانياً أبداً. سأبقى سورياً دائماً، لكنّني لا أشبه السوريين الذين يعيشون في سوريا الآن".

أشعر بما يقول، وأسأل نفسي أسئلة الحياة اليومية، كما لو أنّني في دمشق: كيف أذهب من هذه المنطقة إلى تلك؟ ما هي طرق المواصلات الأفضل؟ كيف أحصل على الخبز؟ ماذا سأفعل لو انقطعت الكهرباء؟... إلخ. لا أجوبة عندي. أحاول الاستماع إلى محطات الراديو السورية المحلية، لكنّني لا أشعر بقدرةٍ على متابعة تفاصيل الحياة في بلادي التي هربتُ منها. أحياناً يصيبني شعور بأنه لا صلة لي بتفاصيل الحياة السورية. فعلى الرغم من متابعتي اليومية الكثيفة لأخبار البلاد، والاحتلالات، والمعارك، والسجون، والاعتقالات، والمحاكم، وحتى الأخبار الفنية والرياضية، إلا أن تفاصيل الحياة اليومية تغيب عنّي، خاصةً وأنّ أفراد عائلتي القريبة كلهم قد غادروا البلاد.


"الآن في المنفى... نعم في البيت"

على درج بناية بيتي، ألتقي جارتي التي تبدو في أواخر الخمسينات من عمرها. أسمعها تحكي العربية مع حفيدتها التي تقارب ابنتي في العمر. أقول لها بالعربية: "ظننتكم أتراكاً". أجابت: "ظننتكَ كردياً". قلت لها إنّني سوري وأحكي العربية إلى جانب الكردية. قالت لي إنّها من عرب ماردين، وزوجها من عرب لواء إسكندرون، وهم أتراك، لكنهم حافظوا على لغتهم العربية، على الرغم من عيشهم في ألمانيا لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً. أولادها وأحفادها كلهم وُلدوا هنا.


تريد حفيدتها اللعب مع ابنتي، وكذا رغبة ابنتي. تذهب ابنتي معهم إلى بيتهم. تلعب الطفلتان معاً، وتتبادلان الحديث باللغة الألمانية.

كذلك الأمر مع معظم سكّان منطقتي المنحدرين من دول الشرق الأوسط، والذين قدموا قبل سنواتٍ طويلة. سنوات طويلة عاشوها هنا، لكن ولأسباب متفرقة، لم يندمجوا بشكل كامل في المجتمع الجديد. أحكي عن الجيل الأول، على عكس الجيلين الثاني والثالث اللذين أصبحا أوروبيين مئةً في المئة. تقول لي صديقتي الألمانية المنحدرة من أصول أردنية، والمولودة في ألمانيا، إنّها ألمانية مئة في المئة، لكنها تشعر بأنّها أردنية مئة في المئة كذلك، على الرغم من أنّها لم ترَ الأردن إلّا أياماً قليلة، في زيارات متقطعة مع والدها إلى هناك.


أفراد الجيل الأول ما زالوا يحكون في البيت بلغاتهم الأصلية، ويرتادون مطاعم تبيع طعامهم، ويشترون خبزاً يشبه خبز بلادهم، ويجلسون في مقاهٍ تشبه مقاهي مدنهم، ويسمعون موسيقى تذكّرهم بماضيهم، ويقرؤون كتباً لكتّابٍ منحدرين من بلادهم، ويكتبون عن أشياء يستطيعون خلق صلة معها.

يسميهم أهل البلاد الأوروبية، أجانب، وإذا ما زاروا بلادهم الأصل، يسميهم أهلها أجانب أيضاً.


أفعل مثلهم، وأقول لنفسي: أنا أيضاً من الجيل الأول للمنفيين، وابنتي تنتمي إلى الجيل الثاني، قد تشعر ابنتي بأنّها ألمانية مئة في المئة، وقد تشعر بانتماء ما إلى سوريا. لكن أنا، لن أصير ألمانياً أبداً (ربّما؟)، لكنّني سوري مئة في المئة، ومُشبعٌ بثقافة كردية عربية (أو أقول ثقافة شرق أوسطية؟)، وأقرأ قصائد سليم بركات، ومحمود درويش، عن المنفى، وأقول لنفسي لقد مرّوا بما مررتُ به، وإلّا لما استطاع محمود درويش كتابة الأبيات التالية:

"الآن، في المنفى... نَعَمْ في البيت،

في السِّتينَ من عُمْرٍ سريعٍ

يُوقدون الشَّمْعَ لَكْ

فافرَحْ، بأقصى ما استطعتَ من الهدوء،

لأنَّ موتاً طائشاً ضَلَّ الطريقَ إليك

من فرط الزحام.... وأَجَّلكْ."

٥ مشاهدات٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل