top of page

رامي سليمان ضائعًا بين الهويّة والمعتقل

@ السفير 2013


«فلسطين ما بينعاش فيها، فلسطين هي لي بتعيش فيك، ومتلها الشام». يقولها منهياً حديثاً دار بينه وبين رفاقه في ليلته الأخيرة قبل الأسر. رفض الفكرة التي طرحها أحدهم عليه للسفر إلى أوروبا. «كيف لي أن أسافر وأتخلّى عن هويتي؟ سينخفض إن سافرت عدد المطالبين بحق العودة؟!». شابٌ سوري، ليس بالهوية بل بالانتماء. عاش معظم حياته فيها، بعد أن ولد في ليبيا. أوراقه الرسميّة تُثبت أصله الفلسطيني المصري. لطالما شكل ذلك معاناة له في إثباتٍ هويته. «شو بقول لولادي؟ ولاد مين إنتو؟ من وين إنتو؟». كانت هذه المشكلة أكثر ما يؤرقه، لكنه سيتناساها بلعبة نردٍ مع بعض من أصحابه، أو بحديث يمتد حتى مطلع الفجر، تتعالى فيه صرخاتهم مترافقة بأصوات كؤوس العرق.


يُشعرك بألفة غريبة عند لقائه. يكسر كل الجمود والحواجز لحظة التعرّف إليه. يُبادرك بقــول مضحك. كأنه يعيشُ في مزج تام بين الضحك والألم المكبوت في داخلــه. لكــن ألم فقــدان الوطـن والهــويّة لم يفقــده الانتماء الدائم للإنسانيّة. تراه يحمل بعــض الأغطــيّة لعائلة تشرّدت، أو يناقش أوضاع النازحين وكيفية مساعدتهم في جلسة ما، وقد تراه متطوعاً في إحدى المنظمات المحليّة أو الدوليّة ليساعد بعض الفاريّن من الحـرب، كما حــدث في حرب تمـوز 2006، حـين هـبّ كمعظم الشباب السوريين لنجدة من فرّ من اللبنانيين إلى سوريا.


***


«لا أعرف كيف أبدأ بالحديث عن رامي سلــيمان. لعلّ أبــرز مــا يمــيّز هــذا الشــاب هو حبــّه لمساعــدة الغــير، أو ربما البيئة العائليّة التي يخلقها بين أصدقائه تجعله شخصـاً «مشــتركاً» بــين الكثــيرين». يقول أحد أصـدقــائــه المقربــين. لا يختلــف اثنــان على شخــصيّة هذا الرجل وقدرته على الانخراط في المجتــمعات الجــديدة، وقدرته على تكوين صداقات قوية في فترات زمنيّة قصيرة نسبياً، والتأثير في الأشخـاص المحيطين به.


«لك يا أمي شو عم يعمل المسكين هلق، والله ما بيستاهل. يا رب تفرّج همّو متل فرّج همّنا يا رب». يلهج لسان إحدى السيدات الطاعنات في السن بالدعاء لرامي، ما أن تسمع أن ذاك الشاب صاحب الشعر الطويل قد اقتيد إلى المعتقل مؤخراً.


رامي سليمان، الشاب الضائع بين الهوية وعتمة السجن، لا بد أن يصرخ الآن ألماً، أو لولادة جديدة تُعلن خروجه إلى النور ثانية. ومن يفتقده الآن، بعض اللاجئين الذين عَمِل على مساعدتهم بكلِّ ما أوتي من محبة، ضاحكاً، غير آبهٍ بالموت المنتشر حوله.


يُحدّثك عن مستقبل البلاد، كما لو أنه يراه بوضوح أمامه. لا يكفّ عن الحلم، يُنــشد الأفــضل، وينــشر الأمل في محيطه. «الحلم واحد ما بيتغير، وما بمــوت». لا تــعرف إن كان يحدّثــك عن فلســطين أو عن ســوريا. رسم «حنظلة» يستقر فوق جدار غرفته، وخارطة فلســطين «الكامــلة» لا تفارقــه، هــو الذي تطــوّع قديمــاً في الهــلال الأحــمر الفلســطيني، فرع ســوريا. لكــن نــشاطه المستمر في القضايا السورية، منذ سنوات طويلة، وحديثه عن شوارع دمشق وحمص وسواهما، ينســيك فلسطينـــيته، ويجــعــله سوريــاً مـن القــلب. يبني مستقبله بدءاً من حجارة داريا وشوارعها التي ترعرع فيها، إلى جرمانا التي انتقاها ليعيــش شــبابه هناك، ولا يستثني أصدقاءه الكُثر فيشركُهم معه في الحلم.

رامي، ذلك الشاب الذي لا يمّل الحب ولا الحياة، يقبع الآن في سجونٍ لا يدخلها نور الشمس. لا شيء هناك سوى جدران عالية تكتب عليها اسمك وتاريخ وجودك هناك، إن عرفته. رامي تحت قبضة سجّان لا يرحم. رامي هناك الآن يحاول البحث عن مخاض جديد لحياة جديدة قد تأتيه في يومٍ ما، قريبٍ أو بعيد.

رامي الآن يبحث عــن أغنــيةٍ ينشـدها، أو يحاول أن يتــذكّر بعــض الأبيـــات مــن قصائــد شــاعــره المفضل محمود درويش، ليُسمعها لزملاء الزنزانة، وليذكّرهم بأنّ حق العودة إلى الحياة ما زال قائماً، رغم كلّ الظلام المحيط به.


***


حاولت جاهداً في السطور السابقة أن أكتب عنه بصفة محايدة. لكن كيف أفعل؟ أحاول عبثاً أن أكتب مقالاً «توصيفياً» عن أحد أصدقائي، لكن اللغة تخونني. كيف يمكن للمرء أن يكتب عن أقرب الأشخاص إليّه وأن يكون محايداً؟ لم أستطع. لعلّه فعل الاشتياق يصيبني، فأهرب منا، عسى ألتقي بعض الكلمات المبعثرة هنا وهناك، لكن من دون جدوى.

صديقي المرمي على أرضيّةٍ ما في ظلام ذلك المكان الحقير، أشتاقك. أسهر كلّ يومٍ مع أصدقائك أو حبيبتك، ولا حديث لنا سواك، ما مرّ في حياتك وما لم يمر بعد، طعامك المفضل وجملتك الشهيرة في الطعام «المهم الكمية مو النوعيّة».

نتحدث عن حبيباتك السابقات وعن مغامراتك المجنونة، نتحدث عن كل ما لا يخطر لك في بال.

«صديقان نحنُ إلى أن ينام القمر».. يا رامي. كن بخيرٍ يا صديقي.

٥ مشاهدات٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل

Comments


bottom of page