لماذا نحتاج هزّات قويّة كي نكتب عن مدن نحبّها؟


@رصيف ٢٢


مقدمة أردت أن أكتب عن بيروت مذ غادرتها للمرة الأخيرة في أواخر العام 2013. كثيراً ما فكرتُ بالأمر. أردتُ أن تكون المدينة هي بطلة ما أكتب، وليست صورة استعملها في النص أو مكاناً حدثت فيه حادثة ما. أردت أن أكتب عن بيروت وعن علاقتي بها. لم أستطع. هكذا حتى حصل الانفجار، الانفجار الذي دمّرَ بيروت وهزّ قلبي وقلوب من أحبّوها.

لماذا نحتاج هزّات قوية كي نكتب عن أشياء نحبّها؟ ألم أستطع أن أكتب شيئاً عن هذه المدينة التي أحبّ وأكره، دون أن أدفن جزءاً من قلبي مع حطام المدينة وبيوتها المهدمة وأبنائها الذين بقوا تحت أنقاض الانفجار الأخير؟

وماذا تعني لي بيروت وأنا ابن الشام؟

سلام عليك يا بيروت.تلك المدينة التي وزّعت على كلّ من مرّ بها قهراً وظلماً وقسوة بالتساوي. المدينة التي دفن كلّ من مرّ بها جزءاً من روحه فيها. المدينة التي بَنتْ قلبها من قلوب مقهورة وتعِبة. المدينة التي حزنت عليها كما حزنت على دمشق وسقبا وحلب وحمص والقامشلي وكوباني ودير الزور وعفرين. بيروت التي قهرها قهري وحزنها حزني.

سلام على أهلك وأحجارك وشوارعك.

سلام لقلوب المُتعبين والمقهورين.

سلام عليك يا بيروت الحزينة.

سلام عليك يا بيروت الحبيبة.



اليوم الأخير الرابع من كانون الثاني/ يناير سنة 2013. اليوم هو يومي الأخير في بيروت. محطة طويلة نسبياً، سنة ونصف السنة، تنتهي اليوم. سنة ونصف السنة قضيتها تَعِباً. بيروت مدينة مُتعِبة، لكنها مُعلّمة. علمتني بيروت كيف أنظر إلى النساء والسياسة والطوائف والثورات. علمتني الكثير من الأشياء التي ما كنت لأعرفها لولا مروري ببيروت في هذا الوقت.

بيروت لا تُنسى. حارات الأشرفيّة حيث سكنت وحيث ضرب الانفجار. عجائز الحيّ ممن يجلسن أمام بيوتهن في الصباح، يشربن القهوة وكأنّ لا مشكلة في الحياة. مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، مكان عملي ومكان الفقر والثورة وذكرى المجازر. بارات مار مخايل والجميزة التي تحولت إلى ركام بفعل الانفجار. بارات ومطاعم الحمرا حيث أحاديث السياسة والثورات والصحافة والأفلام والكتب. بيروت النضال والتعب والشقاء.

اليوم يومي الأخير هنا. هذه المرة لا أستطيع العودة كما أفعل دائماً. تعبتُ من بيروت.

تنتابني حالة من الشوق الغبي ومن الارتباط الغبي ببيروت. هذه مدينة نستطيع أن نكرهها ببساطة لو شئنا، لكن فيها شيئاً غامضاً يدفعنا لنحبها. شيء ما نجده في دمشق والقاهرة، مدن مخبأة، على المرء أن يبحث عن تفاصيلها كي يحبها.

يومي الأخير هنا، ورامي الذي ارتبطتْ به بيروت ليس هنا. لن أعرف عنه شيئاً لسنوات طويلة قادمة. لم يودعني رامي مثلما فعل طوال فترة إقامتي في بيروت. كلّما أردت السفر إلى مكان ما، كان رامي يودعني. لا أعرف سرّ علاقتي به. لم تكن علاقة طويلة امتدت لسنوات. علاقة لفترة قصيرة، لكنّها من أعمق العلاقات التي اختبرتها. عملنا سوية وعشنا سوية ورقصنا وضحكنا واكتأبنا ولعبنا. تشاركنا الأفراح والأحزان والأفكار والأسرار والأحلام وخطط المستقبل.

كيف أشفى من حبّ بيروت وهي مرتبطة برامي؟



المدينة الحلم كبرت وأنا استمع لـ"توت توت ع بيروت" ولـ "رمانه رمانه عخصري وكلاشينكوف بإيدي" ولـ"اشهد يا عالم علينا وعبيروت". كانت صورة بيروت في رأسي هي مدينة الثورة الحلم. مدينة الموت من أجل فكرة. مدينة كبر جيلي والجيل الذي يسبقني، ممن ينتمون إلى يسار ما، على أسطورتها. بيروت النضال والحركة الوطنية واليسار والثورة. بيروت التي جمعت مثقفين وكتّاباً من سوريا ولبنان وفلسطين والعراق. كبرنا ونحن نحفظ أغنيات وقصائد خُلقت في زمن بيروت الحرب الأهلية وبيروت الاجتياح. كبرنا ونحن نحلم بأنّ نعيش في تلك المدينة وفي ذلك الزمان، حين كانت "بيروت خيمتنا". كبرنا ونحن نحمل "متلازمة بيروت" معنا.

كبرنا واشتعلت ثورتنا، الثورة السورية، وصار جيلي فاعلاً فيها بشكل أو بآخر. حلمنا بأبو عمار"نا". كان أبو عمار غيفارا"نا". حلمنا بقائد مثله يمشي في مخيمات بيروت، يقود المقاتلين ويحاور الأعداء وينتصر ويستسلم ويربح وينتهي ويعود لبلاده ويُحاصر في رام الله، لا يتنازل إلّا إن رأى مصلحة لشعبه. يقف في وجه حافظ الأسد ولا يخشى أحداً. قضيته بوصلته.

ونحن في بيروت كنّا نحلم بقائد نكتب عنه ما كتبه محمود درويش عن ياسر عرفات: "كان اسمه أحد أسماء فلسطين الجديدة، الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة، إلى فكرة الدولة، إلى واقع تأسيسها المتعثر. لكن للأبطال التراجيديين قدراً يشاكسهم، ويتربص بخطوتهم الأخيرة نحو باب الوصول، ليحرمهم من الاحتفال بالنهاية السعيدة بعمر من الشقاء والتضحيّة، لأنّ الزارع في الحقول الوعرة لا يكون دائماً هو الحاصد".

لم نعثر على قائد ولم نعثر في بيروت على ثورتنا المشتهاة. اغتالت بيروت أحلامنا. الزمن تغيّر، ونحن بقينا حالمين بعالم أجمل.

مرة في بيروت كنّا نغني "اشهد يا عالم علينا وعبيروت"، الأغنية الأشهر لفرقة العاشقين، أنا ورامي سليمان وخالد بكراوي. لاحقاً قُتل خالد تحت التعذيب في أقبية مخابرات الأسد، ورامي مختف في تلك الأقبية منذ أكثر من سبع سنوات وأنا نجوت بذاكرة ثقيلة وقلب مقبرة جماعيّة ينام فيه الكثيرون ممن أحببتْ، وعلى أطرافه معتقل كبير يزوره الكثيرون من أصحاب القلوب/ المقبرة.



اللقاء الأول مثل كثير من السوريين، كان سفري الأول خارج سوريا إلى بيروت. كنت في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمري. ذهبت مع مجموعة من المتطوعين لحضور دورة تدريبية مع منظمة بيئيّة. أقمت حينها لأيام في فندق لا أذكر اسمه في منطقة سن الفيل. عرفت حينها الداون تاون وساحة النجمة والحمرا والروشة. كلها أماكن سياحية. عدت حينها إلى الشام بكتاب كان ممنوعاً في دمشق.

هذا كان ما قبل اللقاء الأول، أو لنقل كان لقاء تحضيرياً.

اللقاء الأول كان بعد الثورة. كنتُ أعيش في ألمانيا، لكنني قررتُ الرجوع إلى بيروت لأكون أقرب إلى الشام. كنتُ خائفاً من إشاعات تسليم سوريين للنظام السوري، ومن سيطرة حزب الله على المطار. لم يحدث لي شيء. استقبلني أخي الذي كان يعيش آنذاك في بيروت منذ شهور قليلة، وصديق له، في المطار. كان صديقه اللبناني يملك سيارة، لا يعرف المرء كيف تمشي بسبب قِدمِها. قال لي سوف تكره بيروت قبل أن نصل إلى البيت. زحام وزعران، قال. شرح لي بعض الأشياء التي لم أستوعبها آنذاك. قال لي إن أي ميلشياوي يستطيع أن يطلق عليك الرصاص في الشارع لأنّك اجتزت سيارته مسرعاً ويرديكَ قتيلاً، ثم يمضي في طريقه دون أن يحاسبه أحد. قال لي إن بيروت كلّها سلاح.

أقمتُ في فترتي الأولى لأسابيع قليلة في منطقة الجعيتاوي في بيروت الشرقية، ومن ثمّ شهرين في حي عين الرمانة، ومن ثم عدت لأقضي باقي أيام البيروتية متنقلاً بين أربعة بيوت في الجعيتاوي، بينما كان مكان عملي الرئيسي في بيروت الغربية، وبالتحديد في مخيمي صبرا وشاتيلا.



بيروت، موتُنا الثاني قال لي أحد الأصدقاء في بيروت يوماً ما: "إذا كان لا بدّ لنا من موت فليكن هناك، في دمشق لا في بيروت". ها يا صديقي. هاك. بيروت أيضاً تموت مثلما ماتت مدننا السورية. بيروت مدينتنا أيضاً، والموت فيها لا يختلف عن الموت في دمشق. ألم يقولوا بأنّ ربع الذين قضوا في انفجار المرفأ كانوا سوريين؟ انظر. خرابنا واحد.

كنّا في بيروت نرقص ونغني في مار مخايل والجميزة والحمرا، نرفع الكأس عالياً دون أن نأبه بالموت المنتشر على طول بلادنا وعرضها. كنّا نعيش لحظات الهرب تلك، بعيداً عن العنصريّة والشقاء من أجل لقمة العيش التي كنّا نعانيها في بيروت. لم تكن بيروت أقل قسوة من الشام.

بيروت، رغم أنها أعطتنا الخيمة إلا أنها كانت أقسى وأصعب المنافي. كنا نرى سوريين يفترشون أرصفة الميناء وتحت الجسور دون أن يجدوا سقفاً يؤويهم. عائلات تبحث عن مكان تأوي إليه. لم تمنحهم بيروت هذا السقف.

هذه المدينة القاسية اللعينة!

مدينة منظمات المجتمع المدني التي تمصّ دماء المحتاجين وتذلّهم إذا ما ابتغوا مساعدة ما. مدينة الثقافة التي خان (معظم) مثقفيها ثورات نظّروا لها سنيناً طويلة. مدينة الفن وتجّار الفن المستغِلّين. مدينة السياسيين التي لا مكان للسياسة فيها.

كانت بيروت، حين كنت فيها، مدينة من شاء*، يأتيها سائحاً أو ساكناً أو طالباً للعلم، إلا السوري الذي قصدها، فيُذل إما لانتمائه السياسي أو الديني أو الطبقي. بيروت كانت قاسية علينا نحن السوريين، بيروت كانت خيبتنا الثانية بعد أن خانتنا دمشق. بيروت لفظتنا خارجها وكأنّنا مرض مُعدٍ.

أذكر المرات التي كنا نخاف الخروج من البيت بسبب إشاعات عن اختطاف سوريين من قبل ميليشيا ما، أو نبقى خارج بيوتنا بسبب أخبار عن مداهمات لبيوت سوريين من قبل مخابرات الجيش أو ما شابه.

بيروت كارثة لا تتوقف!



ما يشبه الخاتمة لي في بيروت ما ليس لي في مدن أخرى. لي فيها نقاشات لم (ولا) تنتهي. لي فيها شوارع وحجارة أعرفها وتعرفني. لي فيها حكايات معلّقة تنتظر نهايتها. لي فيها قصص ألم وأمل بتفاصيل كبيرة وصغيرة.

عندي حكايات كثيرة أحكيها عن بيروت، لكن أوان حكايتها لم يأت بعد. الآن أوان الحزن على مدينة نحب، أوان الغضب على أمراء الحرب وملوك الطوائف الذين اغتالوا شيئاً نحبه اسمه بيروت.




هامش * بعد أن أعدت قراءة هذه الجملة تذكرت بأن بيروت ليست "مدينة من شاء" ففيها تُذلّ العاملات المنزليات ويتم التحكم برقابهن بفعل قانون الكفالة، وفي بيروت تمييز ضد الفلسطينيين وتمييز ضد أصحاب البشرة السوداء.

29 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل

عن اللغة والهويات المتعددة

@ wir machen das Magazin "هوِيَّتي لُغتي. أنا… وأنا. أنا لغتي. أنا المنفيّ في لغتي. وقلبي جمرةُ الكُرْديِّ فوق جبالِهِ الزرقاء…" محمود درويش من قصيدة: "ليس للكردي إلّا الريح" منذ أيّام قليلة عثرت عن ط

© 2020