top of page

فراو هالر

يوم الأربعاء، الثاني والعشرين من شهر شباط من العام ٢٠٢٣، كنت في زيارة إلى العاصمة اللبنانيّة بيروت، حين وصلتني رسالة عبر تطبيق الواتساب تقول: "لقد ماتت السيدة هالر، وُجدت ميتة في شقتها، لقد ماتت منذ أكثر من أسبوع. يا له من خبر حزين!"


تجمّع الدمع في مقلتي. لم أعرف لماذا حزنت على جارتي الخمسينيّة. كان الخبر ثقيلاً عليّ مثل ثقل تلك الأيام؛ لم يكن قدّ مرّ على الزلزال المدمّر الذي ضرب شمال سوريا وجنوب تركيا أكثر من أسبوعين. كثير من الأصدقاء والمعارف فقدوا بيوتهم وأحبابهم، وملايين السوريين والأتراك نزحوا وتشردوا بسبب هذه الكارثة، كلّ هذا بعد اثنتي عشر سنة على المأساة.


في ذلك الوقت أيضاً، كنتُ أعمل على بودكاست له علاقة بالمعتقلين وبأحد السجون السوريّة ذائعة الصيت، أتعايش مع المقابلات التي أجريتها ومع أساليب التعذيب الكثيرة التي صرتُ أتخيلها في حياتي اليوميّة. أفكر خلال عملي الصحفي في كيفيّة مقاومة الطغيان والديكتاتوريّة والرأسماليّة.


في بيروت، المدينة التي زرتها للمرة الأولى منذ عشر سنوات، كرهت جلدي الذي يلبسني، رأيتُ الفقراء والمشردين يملؤون الشوارع باحثين عمّا يقيهم الموت جوعاً. المدينة مظلمة لا كهرباء فيها، لا خدمات، لا حكومة، لا أدوية، لا تعليم، لا شيء. شعرتُ وكأنّنا نعيش في القرون الوسطى. أردتُ أن أبقى هناك أبداً محاولاً تغيير العالم، وفي الوقت نفسه فكرتُ في الهرب سريعاً والخروج من ذلك المكان.


أيام ثقيلة كنتُ أتنفس فيها بصعوبة. أيام ثقيلة يشعر فيها المرء بالخجل من مشكلاته الشخصيّة أمام الكارثة العامة. في أيام كتلك، أتاني خبر موت السيدة هالر. ماتت وحيدة في بيتها. لم يعرفوا عنها شيئاً لأكثر من أسبوع، حتى فاحت رائحة جثتها وأزعجت الجيران، فأتى عمال الإنقاذ وحطموا الباب ووجدوا جثتها هناك.


انتقلتُ في العام 2017 للعيش مع حبيبتي لينا، والتي ستصبح في السنة التالية أم طفلتنا، في هذا البناء الذي أعيش فيه حتى اليوم. في العمارة سبعة عشر بيتاً، يتنوع سكّانها بين عائلات كبيرة تسكن هنا منذ سنوات طويلة، وعائلات جديدة في طور التشكّل، مثلنا، وأفراد يعيشون وحدهم في بيوت أربعة، وهم السيدة هالر، والسيد پوت، وآنا التي تركت البناء قبل موت السيدة هالر بشهور قليلة، ورجل آخر غريب الأطوار لديه الكثير من الطيور في بيته (هذا ما نعتقده من الرائحة ومن الريش الذي يوجد على نافذته المغطاة دائماً), لا يتفاعل مع أيّ شخص في المبنى، يجمع القوارير الفارغة من أجل إعادة بيعها، لديه سيارة، ومرة زارته ابنته وحفيدته، هذا كلّ ما نعرفه عنه.


معظم سكّان هذا البناء يعرفون بعضهم البعض، وهو شيء نادر في المدن الأوروبيّة الكبيرة. يساعد السكّان بعضهم البعض أحياناً، يتبادلون الأحاديث بشكل دائم، يعرفون الكثير عن بعضهم. حين وصلت إلى بيتنا، كانت حبيبتي لينا تعيش فيه منذ خمس سنوات، وكانت تعرف الكثيرين منهم ويعرفونها.


قبل أن أنتقل للعيش هناك بشكل دائم، كنتُ في البيت حين رنّ السيد پوت الجرس، طلب من لينا أن تساعده في دهن مرهمٍ على أجزاء خاصة من جسده، رفضت لينا وقالت إنّها ستتصل بالطوارئ من أجل أن يساعدوه. كانت لينا قد اعتادت على مساعدة السيد پوت المريض منذ زمن طويل على شراء الدواء والاتصال بالجهات الإسعافيّة كلّما احتاج شيئًا ما.


هذا كان لقائي الأول بالسيد پوت الذي لم يرن جرس بيتنا بعدها أبداً. اشتدّ المرض به وأصبح لزاماً عليه البقاء في البيت لأسابيع طويلة دون الخروج منه، أو أحياناً البقاء في المستشفى لأسابيع متلقياً العلاج. لم أعرف أبداً ما كان مرضه بالتحديد.


في السنوات الأولى لي في ذلك البيت، كنّا نسمع صوت السيدة هالر تصرخ بصوت عال وهي تقف أمام باب بيتها في الطابق الأول، أو مثلاً من على شرفتها تصرخ على المارة وتصيح بصوت عال، غالباً ما كنّا نسمع صوتها ليلاً. كانت آنا، والتي كانت تساعدها في التبضّع، على الأغلب تتصل بخدمة الطوارئ ليأتوا ويأخذونها إلى مصح نفسي، تبقى فيه لشهور، قد تطول وقد تقصر، ومن ثمّ تعود وعلى جسدها آثار الهزيمة، هزيمتها أمام الحياة، ربّما.


بعد سنوات، عندما بدأت علاقتي مع السيدة هالر بالتوطد، تواصلت مع آنا من أجل تنسيق المساعدة، فقالت لي إنّ عليّ الحذر من تعاملي مع السيدة هالر لأنّها مصابة بالشيزوفرينيا. لم أصدقها.


صرت ألتقي السيدة هالر أحياناً على درج البناء أو في شارع بيتنا، كنتُ أبادرها السلام مثلما أفعل مع كلّ الجيران. لم أتلقَ جواباً واحداً منها لفترة طويلة جداً. في عدّد من المرات كانت تحمل أشياءً أكثر من قدرتها على الحمل، فكنت أساعدها دون أن أنتظر شُكراً منها.


في يوم ما، وأظنّ أنّه كان يوماً من أيام سنة 2018، فُوجئ سكّان البناء بعودة السيد پوت من المستشفى مقطوع الرجل. عاد الرجل مستنداً على عكاز من جهة وعلى السيدة هالر من جهة أخرى، كان مرض السكري قد اشتّد به وأثّر على حالته الجسديّة وكان قطع الرجل من عند الركبة اضطراراً.


عرفنا حينها أنّ هناك علاقة بين السيد پوت والسيدة هالر، لم نكن نعرف شيئاً عن علاقتهما، ولم نكن نعرف شيئاً عن عائلاتهما. قالت لنا إحدى الجارات إنّه كان للسيدة هالر طفلان وقد ماتا في حادث مروّع وهذا ما أدى إلى حالتها النفسيّة هذه. تأكدتُ لاحقاً من عدم صحة هذه المعلومة.


في الشهور التالية اختفى السيد پوت والسيدة هالر من حياتنا. علاقتنا الوحيدة كانت عبارة عن تصادفي مع السيدة هالر أحياناً في الطريق، ومساعدتها إن كانت تحمل شيئاً ما. حياتنا، أيّ عائلتي الصغيرة الجديدة، كانت متمحورة حول طفلتنا حديثة الولادة. 


شيئاً فشيئاً، وعلى امتداد الشهور صارت السيدة هالر ترد علي السلام، ربّما صار مظهري الجديد، أبٌّ مع طفلته، يوحي ببعض الثقة، وحتى صارت تطلب مني مساعدتها في حمل الأغراض قبل أن أعرض مساعدتي.


أظنّ أنّ الأمر كان في العام 2020 حين عاد السيد پوت من المستشفى على كرسي متحرك برجلين مقطوعتين هذه المرة. كنّا نعود إلى البيت حين رأينا السيدة هالر والعامل الاجتماعي المُخصص لمساعدة السيد پوت يحاولان حمله وهو يجلس فوق كرسيه المتحرك وإصعاده إلى بيته في الطابق الثاني لأنّ بناءنا قديم لا مصعد فيه. 


عرضت مساعدتي وحملناه أنا والعامل الاجتماعي إلى بيته. أظنّ أنّ هذه كانت لحظة فارقة في علاقة السيدة هالر معي. بعدها بأيام قابلتني في السوبر ماركت القريب من بيتنا، كنتُ داخلاً وكانت خارجة، قلتُ مرحباً، قالت مرحباً. في الداخل وأنا أبحث عن الأغراض التي أنوي شراءها رأيتها قادمة نحوي. قالت إنّها اشترت كلّ ما تحتاجه باستثناء قوارير المياه الغازية لأنّها ثقيلة جداً، وطلبت مني شراءها وحملها إن استطعت. وافقت بالطبع، وأوصلت لها المياه إلى بيتها. كان هذا حديثنا الأول.


صرنا بعدها نتبادل أحاديث صغيرة، صارت تحكي أشياء لطيفة عن ابنتي، وصارت تطلب مني أشياءً مثل شراء الأدوية والحاجات الغذائية، وغير ذلك من الأمور التي يسهل عليّ القيام بها.


بعد سنة تقريباً مات السيّد پوت. كانت علاقتي مع السيدة هالر قد اشتدّت، وقد تبادلنا أرقام هواتفنا. بعد موت السيّد پوت قالت لي إنّها كانت على علاقة عاطفية طويلة معه، كان حبيبها، وبموته فقدت كلّ أحبابها، مات اثنان أو ثلاثة من أعز أصدقائها خلال السنوات القليلة الماضية، مات أفراد عائلتها أو انقطعت صلاتها بهم، بقيت لها أم مصابة بالزهايمر تعيش في إحدى دور العجزة في مدينة هانوفر (ماتت الأم في نهايات العام 2021)، والآن مات حبيبها. لم يبق لها في هذا العالم سوى صديقة ابتعدت عنها وصارتا تتقابلان مرتين في السنة، وصديق يلتقيها في السرّ خوفًا من زوجته التي ترفض صداقته مع امرأة مثل السيدة هالر.


قالت إنّها ستأخذ بعض الأغراض من بيت السيد پوت قبل أن يفرغوه ويأتوا بأشخاص جُدد للعيش في بيت حبيبها. كانت تذهب إلى البيت الفارغ، الذي يعلوها بطابق، تفتح الباب بمفتاح كانت تحتفظ به، تأخذ أشياء صغيرة من هنا وهناك. أخذتني إلى ذلك البيت مرة، ودخلت بيت السيد پوت للمرة الأولى. عرفت أنّه، وقبل مرضه، كان معلّماً في مدرسة، وأنّها كانت إداريّة تربويّة في مدرسة أخرى. 


وجدتُ في بيته الكثير من الكتب ومن الاسطوانات الموسيقيّة، والكثير من ألعاب الأطفال التي اشتراها لأحفاده الذين لم يستطع لقاءهم بسبب انقطاع علاقته مع أولاده لأسباب لم أعرفها. قالت السيدة هالر إنّه حاول كثيراً التواصل معهم، لكنّهم رفضوا.


أعطتني العديد من ألعاب الأطفال من أجل ابنتي، احتفظنا باثنتين أو ثلاثة وتبرعنا بالبقيّة. صارت السيدة هالر تحتفظ ببعض السكاكر وبعض أطعمة الأطفال من أجل أن تعطيها لابنتي، وصارت، كلّما تسوّقت، تأخذ من السوبر ماركت صوراً لاصقة لحيوانات مختلفة، ولاحقاً اشترت لابنتي الكتاب الذي سنلصق عليه كلّ تلك الصور التي أهدتنا إياها، هو كتابٌ يحكي عن أنواع الحيوانات المختلفة التي تعيش على كوكب الأرض.


بعد موت السيد پوت صرتُ تقريباً الشخص الوحيد دائم الوجود في حياتها. تتصل بي هاتفياً كلّما احتاجت إلى الحديث، وتحكي مطولاً في مكالمات قد تتجاوز ساعة من الزمن. حكت لي كلّ شيء، كانت تعيد حكاياتها وكأنّها تدور في دوائر مختلفة، تدور وتدور وتدور، تحكي وتحكي وتحكي، وأنا أسمع. لم يكن لي دور في حكايتها سوى أن أسمع، كانت تحتاج لأيّ شخص يسمعها. كانت السيدة هالر وحيدة.


حكت عن وحدتها، وخوفها من الوحدة، وعن هوة الكآبة العميقة التي سقطت فيها منذ سنوات طويلة، وعن علاقتها بالكحول والتدخين وتحولها تدريجياً إلى كحوليّة، وعن ابتعادها عن الرياضة وازدياد وزنها حتى صارت بحجمها الكبير الذي يمنعها عن الحركة بسلاسة والذي أثرّ لاحقاً على جسدها فصار عندها أمراض في عظام الظهر والرقبة.


حكت عن خوفها من المستشفيات والمصحات النفسيّة، وعن التعامل السيء الذي يُعامل به المرضى من أمثالها في مثل هذه المصحات، قالت إنّها كثيراً ما تعرضت للضرب في تلك الأمكنة. قالت إنّ علاقتها بي وقدرتها على الكلام بحريّة معي قد ساعدها نفسياً، لم تعد تصرخ من شرفتها أو على درج البناء، ولم تعد تحتاج إلى مصح نفسي. صار هناك أحدٌ ما يسمعها، ربّما لذلك أحبّت عائلتي؛ أحبّتني وأحبّت ابنتي وأحبّت شريكتي. 


بقيت أشتري لها كلّ ما تحتاج باستثناء المشروبات الكحوليّة. الأدوية التي تحتاجها حسب الوصفات الطبيّة التي يعطيها إياها الأطباء، المواد الغذائيّة، المشروبات، وحتى أنّني اشتريت لها مرة حقيبة كانت تحبها. كانت تذهب كلّ أسبوع مرتين إلى السوق المؤقت في ساحة قريبة من بنائنا، إذا ما سمحت لها حالتها الجسديّة بالذهاب إلى هناك، تستعرض الحقائب وتُفاصل البائعة على السعر، حتى وصل الأمر بالبائعة برفض بيعها أيّ حقيبة. طلبت مني السيدة هالر أنّ أذهب وأشتري لها الحقيبة. فعلتُ ذلك. وعندما علمت البائعة أنّني أشتري الحقيبة لجارتي السيدة هالر، قالت لي: تلك المرأة مجنونة، ابتعد عنها.


لم أبتعد. صارت علاقتي بالسيدة هالر أقوى، حتى أنّها صارت تستدين مني القليل من المال منتصف كل شهر، وتعيده إليّ في نهايته حين تأتي مساعدات الحكومة، لكن المساعدات لم تكن كافية بعد موجات التضخم وغلاء الأسعار بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

آخر مرة حكينا مطولاً، كان قبل موتها بحوالي أسبوعين. طلبت مني شراء بعض البيرة، رفضتُ ذلك حسب اتفاقنا، أفعل كلّ شيء إلّا شراء الكحوليات، لا أريد أن أكون شريكاً في وضعك الصحي، أريد أن أساعدك لا أن أضاعف من حزنك. قالت إنّها تحتاج هذا الكحول بشدّة. رفضت بشدّة.


بعدها بأربعة أيام أو خمس، التقينا على درج البناء، كنت في طريقي إلى العمل في الثامنة صباحاً، وكانت هي عائدة إلى البيت بعد أن اشترت أشياء قليلة من السوبر ماركت. قالت لي إنّها تشتاق الحديث معي، لم تعد تستطيع الوصول إلي مؤخراً. قلت لها العمل كثير جداً ولا أعود إلى البيت إلّا متأخراً وأصبح عندي رقم هاتف جديد. وعدتها بأنّ اتصل بها بعد يومين، ولم أفعل. بعدها بأيام قليلة غادرتُ إلى بيروت، وماتت هي.


أعتقد أنّها ماتت بعد أن التقينا على درج البناء بيومين أو ثلاثة. وأغلب الظن أنّها ماتت من الوحدة. لا أعرف إن انتحرت أو ماتت موتاً طبيعياً. لا طريقة من التأكد، لكنّني أشعرُ بذنب عدم التواصل معها. أقول لنفسي لو أنّني اتصلت بها مثلما وعدتها، لو أنّني اشتريت لها البيرة التي طلبت، لو، لو، لو… ربّما ما كانت لتموت.


رحلت السيدة هالر بعد أن تركت أثراً طيباً في حياتي وحياة عائلتي، رحلت وحيدة مثلما عاشت. فكرتُ بعد أن عرفت الخبر أنّها رابع شخص ألماني أعرفه بشكل شخصي مات بعد أن مات أصدقاء وأهل وأحبّة سوريون كثر. أول الألمان كان دافيد، عشيق زميلتي السابقة في السكن. شاب ثلاثيني مات فجأة دون مقدمات. ثانيهم جدة شريكتي لينا. ثالثهم السيد پوت. آخرهم السيدة هالر.


فكرت أنّ كلّاً من الثلاثة السابقين لديهم أشخاص يذكرونهم، لديهم أصدقاء وعائلات وصور في أماكن مختلفة. السيدة هالر لم يكن عندها أحد، أو شيء. فكرتُ أن أكتب هذا النص عنها كي أتذكرها في المستقبل، فلا صورة لها عندي. فكرتُ أنّها عاشت وحيدة وماتت وحيدة. ربّما بهذا النص أجعل ذكراها أقل وحدة من حياتها.


 

* فراو Frau بالألمانيّة وتعني سيّدة. 

٦ مشاهدات٠ تعليق

Comments


bottom of page