عن "هلق" واللغة المحكيّة

@ حكاية ما انحكت


قرطو، قدحو، جابو، سفقو، خبطو، طرقو، شلخو، شبطو، كبسو… كلّها مترادفات في اللغة المحكيّة لفعل "ضَرَبَه بالكف" في اللغة الفصحى، إذ تختلف الكلمات التي تقصد الشيء نفسه باختلاف المنطقة، فبالإضافة إلى استخدام الكلمة الفصحى، وبنطق موسيقى لهجة المنطقة، يتم استخدام كلمات مختلفة تقصد الشيء نفسه. فعل ضَرَبَ، الأكثر استخدامًا في بلادنا، يتم استعماله في كلّ مناطق بلاد الشام، وكذلك تُستخدم مرادفاته الكثيرة، والتي يكاد أن يكون حصرها مستحيلًا، في اللغة المحكيّة.


كذلك الأمر بالنسبة لباقي الأفعال ولأسماء الأشياء التي تختلف من منطقة إلى أخرى، فما يُقال في درعا يختلف عمّا يقال في الرقة ويختلف عمّا يقال في ريف اللاذقيّة. اختلاف الكلمات هذا يؤدي إلى اختلاف عادات مجموعات السكّان المختلفة، واختلاف ثقافتهم الشفويّة.


يكاد ينعدم استخدام اللغة الفصحى في الحياة اليوميّة، إذا ما استثنينا نشرات الأخبار والكتب المطبوعة، وتسيطر اللغة المحكيّة على كلّ مفاصل الحياة، فلا نقول "ما الذي تفعله؟" في يومياتنا، بل نقول: "شو عم تعمل؟" أو "شو عم بتسوي؟" وغيرها من صيغ اللغة المحكيّة التي تختلف من منطقة إلى أخرى.


"الإيقاع بآذان العرب الآن راح. بتحكيله لواحد بيت (شِعِر) مكسور بيقلك يا سلام، ما بينتبه، إذًا الوزن نفسه راح من أذهاننا" هذا ما يقوله الأستاذ عارف حجاوي في مقابلة تلفزيونيّة، حين يحكي عن ابتعاد اللغة الفصحى وموسيقى اللغة العربيّة عن أذهان العرب، وعارف حجاوي هو كاتب فلسطيني وإعلامي عُرف بتفضيله اللغة الفصحى وبـبرامجه التلفزيونيّة المتمحورة حول اللغة العربية الفصحى.


هلأ أم هلئ أم هلق، أي كلمة هي الصحيحة؟

مثلما تختلف أسماء الأشياء بين مدينة وأخرى (وأحيانًا بين حيّ وآخر)، ومثلما تختلف طريقة نطق الكلمة الواحدة بين المناطق المختلفة، فإنّ طريقة كتابة الكلمة الواحدة تختلف كذلك. من الأمثلة الأكثر شيوعًا في هذا المضمار هي كلمة هلق/ هلأ/ هلئ، والتي تعني "حاليًا" أو "في هذا الوقت"، إذ تختلف طريقة كتابتها من شخص إلى آخر، كلّ حسب طريقة نطقها بلهجتهم المحليّة. لكن ما هي الكلمة الصحيحة وكيف تكتب؟


هناك نظريتان لطريقة تطور هذه الكلمة، أولى تقول بأنّها اختصار لشبه الجملة "هذا الوقت" التي أصبحت "هلوقت" ومن ثمّ تطورت مع الزمن وأصبحت "هلق". فيما يقول آخرون إنّ الكلمة ذات أصل سرياني، تطوّرت من اختلاط اللغة العربيّة باللغة السريانيّة وهذا ما يذهب إليه "ياسين عبد الرحيم" الذي قام بإعداد "الموسوعة العاميّة السوريّة" الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب.


تقول الموسوعة إنّ أصل كلمة "هلق"، وهي تكتب بالقاف بكلّ الحالات: (هَلَّق: الآن. وبعضهم يقول "هَلَّقْنِيَة" و"هلّقتينه" و"نه" ملحق سرياني. وفي دمشق ونواحيها يقولون "هلقيت" وكثيرًا ما تستعمل كأداة استفتاح. وأصلها "هذا الوقت". وفي اللهجة اللبنانيّة يقال أيضاً "هلّقّه").


اختلاف معاني الكلمة الواحدة في اللغة المحكيّة

ومثل هذا في كلّ اللغات، فكلمة Bitte الألمانية قد تعني: تفضل، عذرًا، على الرحب والسعة، وغيرها. وفي الإنجليزيّة قد تعني please أكثر بكثير من "تفضّل". في كلّ لغة هناك كلمات لها معانٍ مختلفة، وفي المحكيّة العربيّة كذلك.


يختلف معنى الكلمات في اللغة المحكيّة بين دول المغرب العربي ودول المشرق العربي، وقد تظهر مشكلات معينة أو تحدث حوادث طريفة حين تُذكر بعض الكلمات، التي تعني شيئًا في الشرق، لكنها لها معنى آخر في الغرب، وقد يُعتبر هذا المعنى خروجًا عن الآداب العامة.


كذلك قد يختلف معنى الكلمة الواحدة في بلاد متجاورة كسوريا ولبنان أو بين فلسطين ولبنان أو حتى في الدولة الواحدة، فقد يختلف معنى بعض الكلمات بين شمال سوريا وجنوبها.


حروب اللغة المحكيّة

يعتبر الكثيرون إنّ اللغة العربية الفصحى هي لغة خشبيّة غير قادرة على التعبير عن مشاعر زماننا وإنّ تطورها توقّف مع الزمن، بل إنّ الكثيرين يقولون إنّ اللغة العربيّة هي لغة غير علميّة وغير قادرة على التعبير عن التطورات العلميّة والتكنولوجيّة وهذا ما يرفضه محبو الفصحى، فمثلًا يقول عارف حجّاوي في المقابلة التلفزيونيّة المذكورة سابقًا إنّ اللغة العربيّة الفصيحة مناسبة لكلّ مجالات العلوم، من الطب والهندسة وصولًا إلى التقانة والتكنولوجيا.


بالمقابل، لا يعترف الكثير من الشعراء ومن محبي الشعر التقليدي بالشعر المكتوب باللغة المحكيّة فيقولون إنّ على الشعر أن يلتزم بقواعد اللغة، وقواعد اللغة هي قواعد اللغة الفصحى، هذا ما يرفضه شعراء اللغة المحكيّة، إذ يقول الكثير منهم إنّ اللغة المحكية هي اللغة الحيّة.

ما الأجمل؟ أعتقدُ فيما يعتقده المرء أنّ هذا سؤال خاطئ بالمجمل رغم تكراره الدائم. لا توجد لغة أجمل من أخرى، فلكلّ منها خصائصها وميزاتها وموسيقاها وحروفها المختلفة عن اللغات الأخرى، كذا الأمر باللغة المحكيّة. فهي، رغم اختلاف لهجاتها من منطقة إلى أخرى، لها ما يميزها وما يجعلها مفضّلة على الفصحى لدى بعض الأشخاص، وبالمقابل فالعربيّة الفصحى لها ما يميزها وما يجعلها مفضّلة لدى آخرين، ولكلّ امرئ أن يختار الطريقة التي يريد بها أن يتواصل مع الآخرين، واللغة أداة تواصل.

ينقصنا بالتأكيد الكثير من المقالات والدراسات والأبحاث التي تتعمق في لغات بلادنا المختلفة ولهجاتِها الحلوة وتبين لنا كيف تطورت هذه اللغات وأصبحت ما هي عليه، فلربما أصبحت اللغات طريقة للتواصل بين شعوبنا المختلفة بدلًا من أن تكون أداة تفريق وطغيان مثلما فُرضت اللغة العربيّة على الأكراد، مثلًا لا حصرًا.




٤ مشاهدات٠ تعليق