عندما أصبح اقتناء الكتاب فعلًا حميميًا

@ رصيف 22


أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ

وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

-المتنبي-



في سؤالي لأحد أصدقائي عن كيفيّة جمعه لكتب مكتبته التي تكبر يوماً بعد يوم، قال إنّ المرء لا يستطيع الإجابة على مثل هذه الأسئلة شديدة الإثارة، رغم بساطتها، دون التطرق إلى ما قرأه كتاباً كتاباً، وصفحة صفحة، لأنّ "اللهفات التي عشناها في السعي وراء الكتب تعادل لهفاتنا في السعي المحموم وراء الحب، بل وربّما تفوّقت عليها".


وفي أوروبا، تزداد شدّة سعينا وراء الكتب العربيّة، ربّما لتكون صلة وصل ببلادنا البعيدة، وكأنّ الكتاب المكتوب بحروف عربيّة يعيدنا إلى بيوتنا ومدارسنا الأولى، وذلك على الرغم من قدرتنا على القراءة بلغات أجنبيّة، إلّا أنّ للحرف العربي قدرته على السيطرة علينا، وعلى مشاعرنا، وشدّنا نحو عوالم بعيدة.


قبل سنوات طويلة كان الحصول على كتاب عربي في بلاد أوروبيّة باردة مغطاة بغيومٍ رماديّة ثقيلة، مهمّة أشبه بالمستحيلة. كان الحصول على الكتاب يتطلب جهداً في البحث عن البلد العربي الذي لا يمنع هذا الكتاب، لأنّ منع الكتب هواية رقابيّة تُمارس في كل البلاد العربيّة دون استثناء (اللهم إلّا لبنان في أيام حريّته)، وبعد معرفة البلد، كان إيصال الكتاب إلى البلاد الأوروبيّة يتطلب طلبًا من أصدقاء مسافرين أن يضيفوا وزن الكتاب إلى وزن أمتعتهم وأن تحتل الكتب العربيّة مساحة بين أغراضهم. قد يقبل الأصدقاء وقد يرفضون، ولهم الحق، فالكتب ثقيلة ونقلها صعب.


بعد ذلك، وُجدت متاجرٌ إلكترونيّة تبيع كتباً عربيّة، تُوصل الكتب إلى أيّ مكان في العالم عن طريق شركات الشحن المختلفة، لكن تكلفة الشحن عالية جداً، تفوق في كثير من الأحيان سعر الكتاب، فيضطر المرء أن يشتريَ كتباً أكثر كي يقلّ سعر الشحن، حسب قانون النسبة، فيصير المبلغ كبيراً، وكثيرٌ من اللاجئين/ات والمنفيين/ات من أصحاب الدخل المحدود، فيصير اقتناء الكتاب ثقلاً، يُثقلُ ثُقلَ الغربة ثُقلاً.


في السنوات الأخيرة ازداد أعداد العرب في أوروبا، أيّ زادت نسبة الطلب على الكتب العربيّة، فصارت تلك المتاجر الإلكترونيّة تقدّم عروضاً بأسعارٍ مُخفّضة، وصار بعضها متمركزاً في أوروبا، فقلّت كلفة الشحن، وصار اقتناء الكتاب أسهل.


وصارت تُقام معارض للكتب العربيّة في مدن أوروبيّة عديدة، لكن مشكلة بعض هذه المعارض أن كتبها مزوّرة، دون أن يذكر القائمون على هذه المعارض شيئاً عن ذلك. يقتني المرء كتباً صادرة عن دور نشر عريقة، طباعتها ممتازة في العادة، لكن كتب هذه المعارض سيئة الورق والطباعة، وبتدقيق بسيط يكتشف المرء أنّ هذه الكتب منسوخة ومطبوعة بشكل غير احترافي عن الكتاب الأصل، وبعبارة أشدّ وضوحاً، كتبٌ مسروقة.


يضعنا الأمر بين خيارين، اقتناء كتب يصعب الحصول عليها في أوروبا، لعدم توفرها أو لارتفاع أسعار الحصول عليها، من متاجر إلكترونيّة أو عن طريق أصدقاء مسافرين، أو شرائها من معارض كتاب تستغل حاجة الناس لكتب عربيّة في مدن أوروبيّة، تبيع كتباً غير أصلية بأسعار رخيصة نسبياً، ونساهم في ذلك بسرقة الكتّاب والكاتبات والمترجمين/ات ودور النشر والعاملين في المطابع ووو…الخ. ولكلّ امرئ اختيار ما تمليه عليه نفسه.


الآن توجد في بعض المدن الأوروبيّة الكبيرة، كبرلين مثلاً، متاجر تبيع الكتب بشكل مباشر، كمكتبة خان الجنوب، تبيع الكتب العربيّة بنسخ أصليّة فيرتاح ضميرنا ونحن نقرأ دون أن نشعر بأنّنا نسرق جهود الآخرين، مثلما يحدث حين نقرأ كتباً مزوّرة.


لكن مثل هذه المتاجر قليلة جداً، وغالباً ما تكون أسعار الكتب التي تبيعها أعلى من أسعار الكتب المزوّرة، لذلك يكون الإقبال على معارض الكتاب المزوّر كبيراً، محققة مبيعات هائلة في معظم المدن التي تحط فيها هذه المعارض (أقصد معظم المعارض وليس كلّها، حتى لا يكون في الكلام تعميماً)، وتعاني هذه المتاجر، التي تبيع النسخ الأصليّة، من قلّة البيع.


الكتب التي تحتل المساحة الأوسع في هذه المعارض هي كتب دينيّة وكتب التنميّة البشريّة وكتب من نمط "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، وروايات تُصنّف نقدياً على إنّها من أسوأ ما كُتب في صنف الروايات، إلّا أنّها تباع بكثرة.


بين هذه الكتب، في المعارض المتجولة والمكتبات المُفتتحة الحديثة ومتاجر البيع الإلكترونيّة، نحاول البحث عن كتب معرفيّة قيّمة، وروايات جيّدة تُقرأ، إن كان سعرها مناسباً، ولم تكن مسروقة ومنسوخة بشكل سيء.


هكذا نسعى وراء الكتب، كتاباً إثر آخر، نغوص في حكاياتها؛ حكايات الكتاب، كلّ كتاب، والأسرار التي كتبها الكتّاب والكاتبات، وحكايات الحصول عليها، فتصير قيمة الكتاب مضاعفة، فكلّما ازدادت صعوبة الحصول على كتاب، ازدادت قيمته المعنويّة عندنا.


صارت الكتب، في هذه الغربة، تمائم حظّنا، وصلة وصلنا مع بلادنا. صارت الكتب من أكثر الأشياء التي نقتنيها حميميّة، وكأنّها أعزّ ما نملك. صار الكتاب، كلّ كتاب، مهماً، حتى لو كان كتاباً سيئاً أو كتاباً لم نحبه. صارت أهميّة الكتاب من أهمية وجودنا، فكأنّنا لا نكون إن لم تكن هذه الكتب. وهذه، والله، لمن آثار غربة المرء، فيتذكر واحدنا ماضيه عن طريق هذه الكتب، مثلما يتذكر النابغة الجعديّ حبيبته، فيقول: تَذَكَّرتُ وَالذّكرَى تُهيِّجُ للفَتَى/ وَمِن حَاجَةِ المَحزُونِ أَن يَتَذَكَّرا.


مشاهدة واحدة (١)٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل