top of page

رثاء متأخر لمظفر النواب

الخدعة واضحة والعالم يُمطر

والموت مريح وصريح.


(١)

كنّا صغارًا لا نعرف من العالم غير كرة القدم والخوف من حافظ الأسد والفقر. هناك بعيدًا عن الحياة، كان يغيب أبي عن بيتنا في القامشلي لستة أيام، وهو الذي يعمل في مدينة قريبة لأنّ الأمن يمنع عنه مزاولة مهنته في الطب بسبب تاريخ العائلة السياسي، وفي اليوم السابع يأتي ويملأ البيت رقصًا ومرحًا. كنّا نسمع أغنيات كرديّة وعربيّة عراقيّة، أغنيات محمد شيخو وشفان برور وياس خضر وفؤاد سالم.


كنّا نحكي العربيّة بلهة الجزيرة السوريّة ونتعلم الكلمات العراقيّة التي تحكيها أمي العراقيّة من كلامها ومن أغنيات العراق الحزينة، أغنيات كان كثير منها قصائد كتبها مظفّر النواب، وهو منفي بعيد عن بلاده. لم نكن نعرف شيئًا عن الحزن، رغم حياتنا الحزينة، ولو صُوِّر الحزن صورة فوتوغرافيّة، لكانت حياتنا آنذاك مركز هذه الصورة.


عشعش الحزن في جنبات قلوبنا، مثلما سكن في كلمات قصائد النواب. أفكر لو أعيش عشرين أو ثلاثين أخرى، وأنظر إلى الماضي، كيف سأرى اليوم؟ أأقول حينها إنّي حياتي آنذاك (أيّ اليوم) كانت حقيقيّة؟ مشاعرها حقيقيّة؟ حزنها حقيقي؟ فرحها حقيقي؟ أهي طباع البشر، دائمًا ما يحنون إلى أيام ماضية قديمة؟


(٢)

في دمشق، في العام 2001، عُقد "مهرجان المدى الثقافي" ذو الصبغة العراقيّة. ربّما كان أكبر حدث ثقافي يحدث في سوريا منذ سيطرة حافظ الأسد على الحكم. جاء محمد منير ليغني في دمشق، وجاء مارسيل خليفة للمرة الأولى بعد أن كان ممنوعًا لسنوات طوال، غنى سميح شقير أغانٍ ثوريّة، وغنى إلهام المدفعي أغنيات يحفظها الجمهور عن ظهر قلب دون أن يعرف معان كثير من كلماتها، وعزف نصير شمّا موسيقاه، وقرأ علينا مظفر النواب قصائده.


كنت صغير السن حينها، أخطو أولى خطوات المراهقة، وكان ذاك احتكاكي الأول بالثقافة خارج البيت، لم أفهم الكثير، لكنّني أكيد أنّ هذا المهرجان قد ترك أثرًا كبيرًا في تكوين شخصيتي.


بعد سنوات طويلة جدًا، بعد أن حدث في بلادنا ما حدث، أسترجع على موقع يوتيوب أمسية مظفر النواب تلك، قصيدة "حالة عشق لأوجاع آدم حاتم" التي يقول فيها:


صار لنا أكثر من مقبرة في الغربة

والسلطة من أفضال الله علينا باقية

والحزن جميل.


استرجع قصيدة "بالخمر وبالحزن فؤادي"، وأقول لنفسي إنّ النوّاب قد ظُلم حين رُبط فقط بقصيدة "القدس عروس عروبتكم" التي شتم فيها الحكّام العرب، أو حين يربط فقط بقصائده السياسية، أو بقصائده الرومنسيّة فقط، أو بشتائمه، أو حين يؤطر فقط في قصائده باللغة المحكية رغم عظمة هذه القصائد، أقليل أن يكتب أحدهم هذا:


يا ريل...

صيح ابقهر

صيحة عشك، يا ريل

هودر هواهم

ولك،

حدر السنابل كطه.


(٣)

شكّلني الحزن وصنعني، عُجن الحزن مع دمي، نصفي العراقي حزين، نصفي السوري حزين، نصفي الكردي حزين، كلّ أنصافي حزينة. أحسّ أنّ الحياة عبارة عن خيبات أمل لا تتوقف، كلّ يوم تسقط قطعة من هذه القطع التي أبني عليها آمالي.


أسأل نفسي كلّ يوم أسئلة متعلقة بحياتي وأفعالي وأقوالي. أسأل: أصحيح ما فعلتُ أم كان يجدر بي التصرف بشكل أفضل؟ رغم علمي بأنّ الخطأ والصواب أمران نسبيان يختلفان من شخص إلى آخر. أشعر أحيانًا بأنّني أحمل كلّ هذا الكون فوق كتفيّ وأمشي.


أهرب من حزني إلى الشعر. كثيرًا ما أقرأ الشعر بصوت عالٍ. أحيانًا أقرأ الشعر واقفًا، اليوم وأنا أتذكر مظفر النواب وقصائده الممنوعة المُسجلّة على كاسيتات، أقرأ بصوتٍ عالٍ إحدى قصائده الشهيرة:


مو حزن، لكن حزين.

مثل ما تنقطع جوا المطر

شتلة ياسمين.

مو حزن، لكن حزين.

مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق من تمضي السنين.


(٤)

ماشيًا في شوارع القاهرة صيف العام 2011، البلاد في خضم موجات ثورية متلاحقة وأنا أمشي في شوارع جديدة عليّ، أدخل مطاعم لا أعرف طعامها الذي تقدمه، أجلس في مقاهٍ صاخبة، أجرّب الحديث باللهجة المصريّة، أتعرّف على مصريين ومصريات يظهرون لي جوانب مختلفة من المدينة الهائلة الحجم، أدخل مكتبات وأشتري كتبًا أكثر من قدرتي المالية.


اشتريت كثيرًا من الكتب من مكتبة مدبولي في وسط البلد، أحبّني العاملون فيها بسبب كثرة الكتب التي اشتريتها من هناك، أدخلوني إلى مستودعاتهم لأنتقي ما أشاء من كتب غير معروضة في المكتبة. ما زال بعض هذه الكتب معي حتى اليوم، تنقلوا معي من القاهرة إلى بيروت فبرلين.


في أحد شوارع القاهرة، أحسبه شارع الجامعة العربية أو شارع سوريا والعتب على الذاكرة الهشّة، صادفت رجلًا يفترش زاوية بكتبه القديمة والحديثة، الأصليّة منها والمزوّرة، رغم حلفانه بكل المقدّسات أنّ كلّ كتبه أصلية. اشتريت منه كتاب الأعمال الكاملة لمظفر النواب.


قرأت الكتاب كلّه بحب وأنا أفكر بأمي وببلادها الحزينة، أقرأ وأفكّر بالعراق وبغربتي الجديدة. كان من أكثر الكتب التي أحببتها وارتبطت بها.


بعد شهور قصيرة غادرت القاهرة إلى ألمانيا، وتركتُ كتبي خلفي. وبعد سنة أو اثنتين، عدتُ إلى بيروت وطلبتُ من صديقة مصرية أن تأتيني بكتبي القاهريّة إلى بيروت. كبُرت مكتبتي البيروتيّة حتى غادرت المدينة عائدًا إلى ألمانيا، عودة لا رجعة فيها.


حاولت لاحقًا جلب مكتبتي البيروتيّة إلى برلين في مهمة شبه مستحيلة. تنقلت كتبي بين الأشخاص والبيوت، حتى فقدت معظمها. بقي عندي حوالي عشرة كتب، وصلتني بعد سنوات طويلة إلى بيتي البرليني. حزنتُ حزنًا لا يعرفه إلّا من يلاحق الكتب كما يلاحق الحب في شوارع مدينة غريبة.


من جملة ما فقدت كان كتاب النوّاب. حزنت عليه كما حزنت على كلّ كتبي التي اشتريتها في القاهرة. حزنت على فقداني أثرًا جميلًا من آثار بلادنا الخراب.


(٥)

لي صديق يحبّ النوّاب أكثر من حبه لأبيه، ربّما. والصديق هذا ينحدر من مدينة السلمية في ريف حماة، المدينة التي تبادل النوّاب الحب أكثر من أيّ مكان آخر في العالم.


كنتُ في سوريا، مختبأ عن أعين الأمن، خاطرت عائلة صديقي هذا في استقبالي في بيتهم ومنحي الأمان في مأواهم. قضيت أسابيع قليلة في ذلك البيت أقضي أيامي بقراءة ما تيسر لي من كتب، وأحكي عنها مع صديقي هذا. كنّا نقرأ الشعر لبعضنا البعض، محاولاتنا الشعريّة الفاشلة، وقصائد لشعراء نحبهم.


كان يقرأ لي كلّ يوم بعضًا من شعر مظفر. كانت عيناه تدمعان. قلب صديقي كان أرق من الهواء.


افترقت طرقنا، ولم نعد على تواصل. أتذكر صديقي، أتذكر أيامنا على مقاعد الدراسة، أتذكر بيتهم وأمه الطيبة، أتذكر قصائد مظفر النوّاب، تدمع عيناي، فأطيل النظر إلى سحب برلين الرمادية.


(٦)


سبحانكَ كلّ الأشياء رضيتُ سوى الذل

وأن يوضعَ قلبي في قفصٍ في بيت السلطان

ورضيتُ نصيبيَ في الدنيا كنصيب الطير

ولكن سبحانك حتى الطير لها أوطان

وتعود إليها

وأنا ما زلت أطير

فهذا الوطن الممتدُّ من البحر الى البحر

سجونٌ متلاصقةٌ

سجّانٌ يمسك سجّان.




* هذا النص غير منشور سابقًا. المقاطع الشعريّة كلّها من تأليف مظفر النوّاب والصورة المرفقة بالنص مأخوذة من الانترنت، والمصوّر غير معروف. حقوق الصورة محفوظة للمصوّر الأصلي.

٦٩ مشاهدة٠ تعليق
bottom of page