top of page

رثاء متأخر لماهر





أرفع نظري إلى السماء، فأراها زرقاء تميل إلى السواد، وأرى رؤوس الأبنية بنوافذها التي تُصدّر ضوءًا أصفرًا. أنظرُ إلى القمر. هذا هلال العيد، أقول لنفسي. اليوم هو أول أيام شوال، والسماء صافية، وأنا أمشي وحيدًا. الحرارة معتدلة في هذا المساء. أتذكّر بالقامشلي. أتذكر ذلك الطفل الذي يمشي في شوارعها وينظر إلى القمر ويقول لأمه: انظري يا أمي، القمر يلحق بنا. أتخيّل أمي تجيبني: لا يا حبيبي، القمر لا يلحق بنا، نحن نطارده. أبتسمُ. من كان سيصدّق أنّ ذلك الطفل سيكبر، ويستقر في مدينة برلين التي تبعد عن شوارع طفولته مسافة أطول من ٣٥٠٠ كم، ويمشي في المساء عائدًا من درس رياضة التاي شي، ويفكر بنفسه طفلًا مُطارِدًا القمر. 


— — — —  


يقول سليم بركات في كتاب السيرتان: "والشمالُ امتحانٌ. جهةُ الضّجر الكبيرة سيّدة الجهات في امتحانها. تأخذُ كلّ شيء لتعطيكَ البسالة والتهوُّر. وفي أضعف حال تجعلكَ وكيلًا على ملكٍ لا يُرى، أو حارسًا للهواء".


أقول لنفسي: وأنا حارسُ الهواء.


— — — —  


خرجت من سوريا حاملًا معي ذنب نجاتي. في السنوات اللاحقة عدت إلى البلاد تهريبًا عددًا من المرات من أجل كتابة قصة صحفية، لكن الأصل كان العودة من أجل التخلّص من ذنب النجاة.


أفكر أحيانًا إنّني خرجت من البلاد سريعًا، لكن في مرات أخرى أفكر لو أنّني خرجت قبل ذلك بكثير، لو لم أعش تلك الصدمات النفسيّة التي يعيشها المولودون في سوريا، لو لم أعش الخوف الذي ترزح تحته سوريا منذ عشرات السنوات؛ الخوف من الشرطة، الخوف من الأمن، الخوف من الجيران، الخوف من الاعتقال، الخوف من التعذيب. والانتظار، الانتظار البغيض؛ انتظار أن تتحسن الحياة، الانتظار في فرع الأمن حتى يأتي وقت التحقيق، انتظار التعذيب، انتظار الفرج، الانتظار الدائم. 


أفكر أحيانًا، بالذين لم يولدوا في بلاد تشبه بلادنا، هل يحملون معهم صدمات وعقد نفسيّة مثل التي نحمل. 


أفكر في حياتي في ألمانيا، والخوف من الذي أحمله في داخلي، رغم أنّني مواطن ألماني حاليًا. الخوف من فعل الخطأ، الخوف من الترحيل (رغم استحالة ذلك بعد حصولي على الجنسيّة الألمانية)، الخوف من البيروقراطية، الخوف العنصرية الممنهجة في المؤسسات الألمانيّة، الخوف من النازية الصاعدة، الخوف من الموت، الخوف من كلّ شيء.


أسأل نفسي: هل وُلِد الخوف معنا في تلك البلاد؟ هل هناك مكان في العالم أستطيع العيش فيه بلا خوف؟


— — — —  


نقّل فؤادك حيث شئتَ مِن الهوى      مَا الحبُّ إلّا للحبيبِ الأولِ

كم منزل في الأرضِ يألفُه الفتى وحـنينُـه ابـدًا لأولِ مـنزل


أبو تمام


— — — —  


مرجٌ أخضر، وعشرات الأشخاص يتجمعون حول قبرين حُفرا للتو وصندوقين فيهما جثتين. 

الشمس تحتجب خلف غيوم ثقيلة، والريح تحّرك أشجار الزيزفون والسرو المنتشرة في مقبرة سان مارتين.

أنظرُ حولي فأرى عشرات الوجوه المألوفة. كلّها حزينة على رحيل ماهر وعبير المفاجئ. لا نعرف كيف نشعر، ولا ماذا نقول. نحتضن بعضنا. ننظر إلى بعضنا دون أن نستطيع قول شي. عيوننا تقول: يا حسرة. قلوبنا تقول: صار لأحد أصدقائنا قبر في برلين، وصار عندنا قبرٌ نزوره ونضع عليه الورد.


 — — — —  


تعرّفت على ماهر خويص في العام ٢٠٠٩ في مستودع دار النشر التي أنشأها. كان المستودع يقع في منطقة جرمانا بالقرب من دمشق. كنتُ أزور أحد أعمامي، والذي كان يعمل معه. كان لقاءً سريعاً. كان صديق اثنين من أعمامي. دارت فينا الدنيا دورتها والتقينا مرة أخرى في برلين، في العام ٢٠١٥ أو ٢٠١٦.


عن طريق صديق مشترك صرنا أصدقاء، وصرنا نلتقي مرتين أو ثلاثة في الأسبوع. كلّ ما كان يحاول فعله هو جلب عائلته إلى ألمانيا، زوجته عبير وابنه خليل وابنته شمس.


حكينا في سنوات معرفتنا القليلة عن أشياء كثيرة، كان عندنا أحلام كبيرة، لم نحقق جُلّها.


جاءت عائلته في العام ٢٠١٨ وصار عندي ابنة، وصارت لقاءاتنا قليلة، وانقطعت تقريبًا خلال فترة انتشار جائحة كورونا. عدنا إلى اللقاء في العام الماضي. فكرنا في مشاريع جديدة، جاءَ بمئات من كتبه القديمة التي وصلته من المغرب ووضعها في مكتبي. صرنا نحكي بتواتر أكبر حتى نهايات السنة الماضية. اضطررت إلى تسليم مكتبي، فوضع كتبه في مكان آخر. 


التقينا للمرة الأخيرة في إحدى التظاهرات التي تملأ شوارع برلين. لا أذكر سبب المظاهرة، أكانت من أجل سوريا أم من أجل فلسطين. تواعدنا على اللقاء في حديقته القريبة من برلين. لم يحدث ذلك اللقاء حتى رحل مع حبيبته اختناقاً، في الحديقة نفسها التي دعاني إليها عشرات المرات. 


 — — — —  


نظرت إلى هاتفي المحمول، كما أفعل كلّ يوم حين أستيقظ. لم يكن عندي قدرة في ذلك اليوم على النهوض من السرير. ابنتي تلعب مع ابنة خالتها وأصواتهما عالية نسبة إلى هدوء الصباح الباكر. شريكتي مستلقية بجانبي وتطلب مني أن أصنع بعض القهوة. أقول لها: لا أريد النهوض، اصنعي أنتِ لنا القهوة. تقول إنّها تفعل ذلك في كلّ صباح، لكنها لا تريد مغادرة الفراش اليوم. أدير ظهري وأحمل هاتفي المحمول. 


أول منشور يطالعني في وسائل التواصل الاجتماعي يذكرني برحيل ريم بنا في مثل هذا اليوم منذ ست سنوات. ثاني المنشورات هو خبر رحيل ماهر وعبير. لا أصدق. أقول بصوت هامس كلمات مثل: لا، لا يُعقل، لا أصدق. تسألني شريكتي: ما الذي حدث؟ أقول لها: يقول الخبر إنّ ماهر وزوجته عبير ماتا ليلة أمس اختناقًا في حديقتهما. لا تصدّق الخبر. أمسح دمعة لا أعرف كيف هربت، وأقول: كثيرٌ من الأشخاص ينعيهما على موقع فيسبوك، يبدو أنّ الخبر حقيقي. 



— — — — 


على مرج أخضر، محاطين بأشجار السرو والزيزفون، يشكّل أفراد من عائلة ماهر وأفراد من عائلة عبير ما يشبه الحلقة الكبيرة. أسأل أحد الأصدقاء عن هذه الحلقة، فيقول لي إنّ هذا تقليد عند الطائفة الدرزية، تقف العائلتان بشكل متقابل، يخرج أحد الرجال من أحد الصفوف ويقدّم العزاء للعائلة الأخرى، وحين ينتهي يعود إلى مكانه، ليخرج رجل من الطرف الآخر ويقدّم العزاء. هكذا حتى ينتهي الكلام. 


شعرت بقلبي ينزل في هوة عميقة وأنا أرى الرجال يتبادلون العزاء. 


 — — — —  


لم أستطع النظر في الحفرتين المتجاورتين التي سينامان فيها. وقفتُ بعيداً. جاء صديق ووقف إلى جانبي. جاءت صديقة أخرى وحضنتني. لم أستطع تمالك نفسي، فبكيت. أعطتني منديلًا لأمسح دموعي. أعتذرتُ لبكائي.


حين عدتُ إلى البيت ورويت ما حدث لشريكتي، أدمعت عيناي. 


في ذلك اليوم لم يفارقني قول المتنبي: وإنّ رحِيلاً واحداً حالَ بيننا/ وفي الموت من بعد الرحيلِ رحيلُ. 


 — — — —  


أعود كلّ بضعة أيام لأقرأ أبياتًا للمتنبي، قرأت اليوم هذه القصيدة وفكرتُ أنّها تناسب هذا النص الذي أحاول كتابته:


أَرَقٌ على أَرَقٍ ومثليَ يأرقُ وجَوىً يَزيدُ وعَبرَةٌ تترقرقُ

جهدُ الصبابة أن تكون كما أرى عينٌ مسهّدة وقلبٌ يخفِقُ

ما لاح برقٌ أو ترنَّمَ طائرٌ إلّا انثنيتُ ولي فؤادٌ شيِّقُ

جرَّبتُ من نار الهوى ما تنطَفي نارُ الغضى وتَكلُّ عمّا تُحرِقُ

وعذلتُ أهلَ العشق حتى ذقته فعَجبتُ كيف يموتُ من لا يعشقُ

وعذرتهم وعرفتُ ذنبِيَ أنّني عيّرتُهم فلقيتُ فيه ما لقوا

أبَني أَبينا نحنُ أهلُ منازلٍ أبداً غرابُ البينِ فيها ينعقُ

نبكي على الدنيا وما من معشرٍ جمعتهم الدنيا فلم يتفرّقوا


 — — — —  

 

كتبتُ مرّة عن قبر أخي في دمشق. أخي الذي مات طفلًا في الحادية عشرة من عمره في حادث سير سنة ٢٠٠٥. اصطدمت به شاحنة عسكرية وهو يحاول اللحاق بالكرة التي هربت من يديه. كتبتُ عن شجر الآس الذي كنّا نضعه على حجر القبر صباح كلّ عيد. 


قلتُ في ذلك الذي كتبت إنّ لي في دمشق شجرة آس أخيرة تنتظرني أن أضعها على ذراعي وأصعد بها الجبل الدمشقي، لأصل قبر أخي الواقف هناك، مراقبًا خراب البلاد، أضع الآس على قبر نوّار وأقبّل اسمه المكتوب على الحجر، وابتسم لذكرى ذلك الطفل الصغير وأبكي على منفاي وعلى خراب بلادي.


كان آخر لقاء لي بذلك القبر قبل ثلاثة عشر عامًا. لم أزر قبرًا لصديق أو قريب منذ ذلك اليوم. الآن صار عندي قبرٌ أزوره في برلين. 


 — — — — 


في كوباني، وبعد انتهاء الحرب مع عناصر داعش وسيطرة القوات الكردية على المدينة، بدأت بلدية المدينة بإعادة إعمار البيوت، وتنظيف الشوارع من جثث مقاتلي داعش. كان في المدينة فرقة تنظيف تتبع البلدية، تدور في الشوارع كلّ يوم بحثًا عن جثث ملقاة هنا وهناك، أو تتلقى اتصالًا من أحد السكان ليدلّهم على جثة ما. يجمعون الجثث في شاحنة، ومن ثمّ يدفنونها في قبور جماعية خارج المدينة. 


زرتُ المدينة كصحفي يبحث عن قصص وحكايات عن الحياة في المدينة بعد الحرب ليكتبها. بصحبة أحد أصدقائي، وهو صحفي ألماني، رافقنا فريق البلدية ورأينا جثثاً تتجمع في شاحنة، ورأينا مقبرة جماعية. 


أتذكر نفسي وأنا أقف أمام كلّ تلك الجثث، وأشعر بالأسى. 


يا لحظه من حظي بقبر منفرد في سوريا، بلد المقابر الجماعية! يا لحظه من لم يولد في تلك البلاد! يا لحظه من حَظيَ بقبر خارج تلك البلاد، قبرٍ يستطيع أحبابه أن يزوره!


لا أريدُ من سوريا شيئًا سوى زيارة قبر أخي، وقبر جدي، وقبر جدّتي. 


 — — — — 


أجلسُ في شرفة بيتي البرليني. أنظر إلى السماء الزرقاء. وأخيرًا اعتدل الطقس وأطلّت الشمس من خلف سحب سميكة جعلت شتاءنا رماديًا ثقيلًا. وأخيرًا أصبح بإمكان المرء أن يجلس خارجاً ولو قليلًا. أتذكر ماهر وابتسامته. أقول لنفسي: كم كان رجلًا لطيف المعشر، طيبًا، يريد الخير للعالم، لا يتنازل عن التمسّك بالحق ومبادئ الخير!


أفكر أحيانًا أنّ أشخاصًا مثل ماهر أو أخي نوّار يمكن أن يُشبهوا ابتسامة مرسومة على وجوه متعبة، إذا ما اعتبرنا وجوهنا صورة للحياة. 


 — — — — 


كتبت خديجة السعدي، أُمي، أم نوّار مرّة في رثاء ابنها:


نوّار:

برعمٌ اغتاله الموت فجأة.

وأنا في منفاي البعيد أُسائلُ الترابَ عن جسدِكَ

والخريفَ عن جهاتِ الريح.

أسائلُ الروحَ عن صمتِ الأمواتِ

وصمتُ نوّار رهيب!


أفكر أنه هذا من أقسى الرثاء الذي قرأتُه على الإطلاق. 


 — — — — 



لا رثاء، لكنّي أرثي صديقاً يشبه قصيدة حب قديمة، تحرسُ القمرَ المريضَ من الدخان.


مشاهدة واحدة (١)٠ تعليق

Comments


bottom of page