رامي سليمان ضائعًا بين الهويّة والمعتقل

@ السفير



"فلسطين ما بينعاش فيها، فلسطين هيي اللي بتعيش فيك، ومتلها الشام" كانت هي آخر جملة قالها، أنهى بها حديثًا دار بينه وبين رفاقه في ليلته الأخيرة قبل الأسر، رافضًا بذلك فكرة السفر إلى أوروبا التي طرحها أحدهم، وكيف له أن يسافر ويتخلى عن هويته ويُنقص بذلك أحد المطالبين بحق العودة؟؟!!


هو شابٌ سوري، ليس سورياً بالهوية، بل بالانتماء، عاش معظم حياته فيها، بعد أن ولدِ في ليبيا، أوراقه الرسميّة تُثبت أصله الفلسطيني المصري. إذن يعاني هو من إثباتٍ في هويته كما يُقدّر. "شو بقول لولادي؟؟ ولاد مين إنتو؟ من وين إنتو؟" كانت هذه المشكلة أكثر ما يؤرقه فيتناساها بلعبة نردٍ مع بعض من أصحابه، أو بحديث يمتد حتى مطلع الفجر، تتعالى فيه صرخاتهم، مترافقة بأصوات كؤوس العرق.


يُشعرك بألفة غريبة عند لقائك به، يكسر كل الجمود والحواجز التي تظهر في اللقاء الأول ، يُبادرك بقول شيءٍ مضحك. تتفاجئ. يُكمل نكاته. يعيشُ في مزج تام بين الضحك والألم المكبوت في دواخله. ألم فقدان الوطن والهويّة، لكنّه لم يفقد انتماءه الدائم للإنسانيّة، فتراه يحمل بعض الأغطيّة لعائلة تشردت أو تراه يناقش أوضاع النازحين وكيفية مساعدتهم في جلسة ما، وقد تراه يتطوع في إحدى المنظمات المحليّة أو الدوليّة ليساعد بعض الفاريّن من الحرب كما حدث في حرب تموز 2006، حين هبّ كمعظم الشباب السوريين لنجدة من فرّ من اللبنانيين إلى بلادهم.


"لا أعرف كيف أبدأ بالحديث عنه، لعلّ أبرز ما يميّز هذا الرجل هو حبّه لمساعدة الغير، أو ربما البيئة العائليّة الذي يخلقها بين أصدقائه مما يجعله شخصاً ’مشتركاً’ بين الكثيرين" هذا ما قاله أحد أصدقائه المقربين حين سُئل عنه. لا يختلف اثنان على شخصيّة هذا الرجل وقدرته على الانخراط في المجتمعات الجديدة، وقدرته على تكوين صداقات قوية في فترات زمنيّة قصيرة نسبياً. قادرٌ هو على التأثير في الأشخاص المحيطين به.


"لك يا أمي شو عم يعمل المسكين هلئ، والله ما بيستاهل، يا رب تفرّج همّو متل فرّج همّنا يا رب" دعت إحدى السيدات الطاعنات في السن حين علمت بأنّ ذاك الشاب ذو الشعر الطويل قد اقتيد إلى المعتقل مؤخراً. رامي سليمان، الرجل الضائع بين الهوية وعتمات السجن، يصرخ الآن ألماً، أو لولادة جديدة تُعلن خروجه إلى النور ثانية. من يبكيه الآن بعضٌ من اللاجئين الذي عَمِل على مساعدتهم بكلِّ ما أوتي من محبة، ضاحكاً، غير آبهٍ بالموت المنتشر حوله.


يُحدّثك عن مستقبل البلاد كما لو أنّه يراه أمامه مُجسداً، لا يمّل الحلم، يُنشد الأفضل، يبثُ الأمل في محيطه. "الحلم واحد ما بيتغير، وما بيموت" لا تعلم إن كان يحدّثك عن فلسطين أو عن سوريا. خارطة فلسطين "الكاملة" لا تفارقه، ورسم "حنظلة" فوق جدار غرفته، يجعلك تظنّه فلسطينياً حتى النخاع، وخاصة إذا علمت بأنّه متطوع قديم في الهلال الأحمر الفلسطيني – فرع سوريا. لكن عمله الجاهد في بناء مجتمع سوري منذ سنوات طويلة وحديثه عن شوارع دمشق وحمص ينسيك فلسطينيته، ويجعله سورياً من القلب. يبني مستقبله بدءً من حجارة داريا وشوارعها التي ترعرع فيها، يصلك إلى جرمانا التي انتقاها ليعيش شبابه هناك، لا يستثني أصدقاءه الكُثر من أحلامه فيشركُهم معه في الحلم.


رامي، هو ذلك الشاب الذي لا يمّل الحب، ولا الحياة، يقبع الآن في سجونٍ لا نور للشمس يدخلها، لا شيء هناك سوى جدران عالية تكتب عليها اسمك وتاريخَ وجودكَ هناك إن عرفته، والسجّان الذي لا يرحم. رامي هناك الآن يحاول البحث عن مخاض جديد لحياة جديدة قد تأتيه في يومٍ ما قريبٍ أو بعيد. رامي الآن يبحث عن أغنيةٍ ينشدها أو يحاول أن يتذكر بعض الأبيات من قصائد شاعره المفضل "محمود درويش" ليُسمعها لزملائه في الزنزانة، وليذكرهم بأنّ حق العودة إلى الحياة ما زال قائمًا رغم كلّ الظلام المحيط به.


حاولت جاهدًا في السطور السابقة أن أكتب عنّه بصفة محايدة، لكن كيف؟ أحاول عبثاً أن أكتب مقالًا "توصيفيًا" عن أحد أصدقائي ، لكن لغتي تخونني، كيف يمكن للمرء أن يكتب عن أقرب الأشخاص إليّه، وأن يكون محايدًا؟ لم أستطع. لعلّه فعل الاشتياق يصيب دواخل نفسي فأهرب منّها عساني أتلقى بعض الكلمات المبعثرة هنا وهناك، لكن دون جدوى.

صديقي المُسجى على أرضيّةٍ ما في ظلام ذلك المكان الحقير، اشتاقك، أسهر كلّ يومٍ مع أصدقائك أو حبيبتك، لا حديث لنا سواك، ما مرّ في حياتك وما لم يمر بعد، طعامك المفضل وجملتك الشهيرة في الطعام "المهم الكمية مو النوعيّة". نتحدث عم حبيباتك السابقات وعن مغامراتك المجنونة، نتحدث عن كل ما لا يخطر لك في بال.


"صديقان نحنُ إلى أن يغفى القمر" يا رامي، كن بخيرٍ يا صديقي.


0 عرض

أحدث منشورات

عرض الكل

© 2020