حوار مع أحمد الفخراني

@ موقع فن


"بدأ كلّ شيء سريعًا كطيف، ثقيلاً ضاغطًا ككابوس، تحرّرت من بطء الوقت، لأسير وفي يدي رسالة: فلتجد كارل ماركس، وفي قلبي مهمة: اقتله." هكذا يبدأ أحمد الفخراني روايته الأخيرة “عائلة جادو – نص النصوص”، رواية يمتزج فيها الواقعي بالخيالي، والتاريخ بالحاضر.


بعد قراءة الرواية للمرة الثانية، كتبت نصًا عنوانه “ربما ليس هذا قاع الجحيم”. أحسستُ بعد أن كتبته بأنّني سرقت خيال أحمد وكتبت النص بدلاً عنه، حينها قررت محاورته من أجل فهم خياله وكيفية عمل عقله، قلت لنفسي: ربما يلهمك خيال صديقك لتكتب شيئًا ما جديدًا مختلفًا عمّا تكتبه عادة. وكان هذا الحوار.


- ما هي حدود الخيال؟ وما هي حدود الواقع؟ وما هو الفرق بين الكتابة عن الواقع والكتابة عن الخيال؟ في كتابتك تعتمد على إلغاء الحد الفاصل بينهما، هذا يقودني إلى سؤال بسيط: ما هي الحياة؟ وهل الخيال جزء منها؟


نعيش يوميًا في عوالم افتراضيّة، عبر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. عوالم تتلاحق فيها الصورة بسرعة رهيبة، نحن بالنسبة إلى بعضنا البعض مجرد خيالات رقميّة، نرى بعضنا عبر هاتف، حتى قراءة المنشورات لا تحدث كفعل قراءة، بل إنّنا نمسحها بصريًا كصور. في رواياتي الثلاث، حاولت تصوير هذا العالم بشكل فني، عالم سريع، متشظ، متشابك، استفدت فيه من تقنيات الخيال والحلم، تناسل الحكايات، العجائبي، لذا أرى أنّ الحدود الفاصلة بين الخيال والواقع لا وجود لها.


كما أنّني لا أكتب عن الخيال، بل استخدم الخيال في قراءة الواقع، ليس لأنّها أفضل طريقة في العالم، بل لأنّها الطريقة التي أملك منابعها، وأرى فيها قدرة على التعبير.


دائما ما كنتُ أرى الحياة بهذا الشكل، منذ طفولتي، خيالاً ممزوجًا بما يحدث، أو أرغب في حدوثه، أو أعجز عن تفسيره، لا أغفل أيضًا منطق اللعبة، كلّ الأشياء الصعبة التي مرت عليّ في حياتي، مررتها كلعبة، كي أستطيع تجاوزها. أتذكر مثلاً أنّني حصلت على مجموع كبير في الثانويّة العامة، دون أن أتعرض لنفس القلق الذي يتعرض له طلاب تلك المرحلة، لأني حولت الاستذكار إلى لعبة ممتعة، كنت أحصد بها النقاط، وأغزو بها ممالك متخيلة في ذهني.


- ما هو آخر حلم حلمت به؟ هل لديك حلم يتكرر بشكل مستمر؟


لا يوجد لدي حلم يتكرر باستمرار، لكن قطعًا استفدت من أحلامي في الكتابة، بعضها كتبتها كما رأيتها، وبعضها الآخر كان شرارة، لشيء آخر. مثلاً، لدي قصة قصيرة تدعى “نظارة وودي آلان”، كانت حلمًا خالصًا، مشهده وعقدته الرئيسيّة كانا في الحلم؛ رجل غامض أقابله في عيادة طبيب، أظن أنّه يتفحصني، فأصاب بالتوتر حد إعادتي التفكير في جدوى حياتي بأكملها. أو مثلًا مشهد الجنازة في رواية “عائلة جادو”، هو خليط من جنازة رأيتها في الواقع وأحلام اليقظة. هناك كذلك مشهد في الرواية، كتبته حرفيًا كما رأيته في حلم؛ كنتُ أصنع مراكب ورقيّة بكدّ وتركيز، ورفضت الانضمام إلى حمي الذي كان يلهو مع طفلي وأصدقائه، طُردت خارج البيت عقابًا، كلّ الأبواب كانت موصدة عدا باب واحد يفضي إلى غرفة حمي، لكن ذلك كان يعني الموت. كدت أن استسلم لدخوله لولا زوجتي التي صممت أنّها ستجد طريقة لفتح أحد أبواب الحياة الموصدة. لم أغيّر في هذا المشهد حرفًا.


- ما الذي تقدمه القاهرة لخيالك؟


كلّ شيء. استقي حكاياتي من واقع المدينة ومن وجوه بشرها المسحوقة والكئيبة والمهزومة بفعل فاعل. أغلب شخصيات رواياتي قابلتها بالفعل في المدينة. أنا فقط أعيد تشكيلها عبر خيالي. القاهرة مدينة ملهمة، حتى وهي تحت وطأة الخراب. ربما بسبب الخراب وبسبب الغليان المكبوت تحت السطح، الوجوه المضيئة، لقد رأيتها تثور، وتهزم. استعيدها في الكتابة أكثر من مدينتي الأصلية: الإسكندرية. أنا محظوظ ككاتب بوجودي في القاهرة.


- افتراضيًا: هل لديك رفاهيّة الكتابة عن فراشة تحوم حول رأسك وسط كلّ هذا الموت والقهر والدمار والدكتاتوريات التي تحيط بنا من كلّ جانب؟


هناك فارق بين استدعاء الخيال للهروب من الواقع، وبين استدعائه لتفسيره. هذا فارق جوهري بين مجموعتي القصصيّة الأولى “مملكة من عصير التفاح” وبين وروايتي الأولى “ماندورلا” وما تلاها. في المجموعة كانت الفراشة تحوم بوصفها طريقة للانتصار الوهمي على الشرّ بطريقة التنميّة البشريّة، في الروايات الثلاث؛ الشرّ جزء من الحياة ومن اللعبة، وجوه الحراس، الموت، القهر، الديكتاتوريات ملهمة. لكن الأدب عملية أكثر تعقيدًا من استحضار لحظة، الفن يسعى للخلود، حتى لو انتهت اللحظة التي استدعت الكتابة من أجلها، تسعى الكتابة لإدراك الجوهريِّ في العابرِ. الفراشات لا تحوم حول رأسي، بل حرّاس العفن، وملوك الرماد. إنّهم ملهمون على أيّ حال.


- لماذا تكتب؟ وما هي الكتابة بالنسبة إليك وكيف تتعامل معها؟


أعتقد أنّ ماركيز كان يكذب عندما قال إنّه كان يكتب ليمتّع أصدقاءه، لكنّها على الأقل كانت كذبته الأصيلة، لكن تكرارها حوّلها، في رأيي، إلى كذبة خالية من المعنى. عندما أفكر في الأمر بعمق، أجد أنّني أكتب كي أتحرّر من الذنب. أعتقد بأنّنا كمصريين، نعيش تحت وطأة مسخ مخيف يدعى الذنب، إنّه مدخل أيّ سلطة، وأي ّمؤسسة، بما فيها الرواية كمؤسسة، أصبح لها كهّان وأساتذة يحملون عصا العقاب. حتى أنّ الجوائز الأدبية أو رضا بعض الكتاب أصبح معادلاً لشهادتهم الجامعية. لقد صارت الكتابة أشبه بحفلة كنسيّة، يرغب الجميع في نسخ نصوصهم في نصوص الآخرين، كنص واحد طويل مقدس، كي لا يتجاوز محدوديتهم أحد، أو لبلوغ خلود غير مستحق. لا أرى فارقًا بين السلطة السياسيّة والسلطة الأدبيّة لجماعة أو لكاتب، كلّهم كهنة، يملكون تصورًا واحدًا عن الكتابة، عن المواطنة، عن الفن، عن الحياة، المؤسف أنّ بعضهم كتابٌ كبار. أعتقد أنّ تلك الألقاب في مصر توزع كرتبة، وتنال بالأقدميّة.


- ما الذي تريده من الكتابة؟


ألّا أتوقف عنها، أن تتوقف كلّ الأشياء التي تلهيني عنها. فرحي الأصيل الوحيد في الحياة هو إنتاج نص جديد، لا أقول نشر نص جديد، لأنّني أدركت معنى الكتابة بشكل أعمق منذ عرفت معاناة تحرير العمل قبل نشره. لقد تعلّمت ذلك بالطريقة الصعبة. بطء التعلم ناتج من كونها منطقة حريّتي الأخيرة، أحرص على أن أتعلم فيها كلّ شيء بنفسي، لا أصدق أيّة نصيحة. أجرب وأخطئ. لكنني أيضًا أتشكّك في المدح أكثر من الذم.


- هل ترغب أحيانًا في إعادة كتابة بعض مما كتبت سابقًا؟


كلّ ما كتبته تقريبًا، لا أشعر أبدًا بالرضا إلا عن آخر عمل أصدرته، رضا يتلاشى مع الانغماس في عمل جديد، دعنا نخفّف العار بعار أقل وطأة… أصبحت أكثر حرصًا فيما يخص النشر، خاصة بعد عائلة جادو، لأنّ جهد تحريرها لم يضع سدى، أعتقد أنّ مصر لا تنقصها الموهبة في الأدب، بل الصنعة، أركز على أسئلة الصنعة بشكل كبير لاعتقادي بأنّ الموهبة لا تنقصني، كما أنّ منطقة التجريب في مشروعي الروائي، تستحق التدقيق في ثغراتها بشكل أكبر. لكن على وجه التحديد، أتمنى لو أعدت كتابة روايتي الأولى، كانت في حاجة إلى دقة أكبر في التحرير، لم أكن أملكها حينها.


- كيف يؤثر الذي تقرؤه فيما تكتب؟ هل تعيد إنتاج ما قرأت؟ أم أنّك تحاول الخلاص مما قرأت وخلق الجديد؟


عملية الكتابة عملية تفاعليّة شديدة التعقيد بين ما نخلقه وبين ما نقرؤه وبين ما نراه وما نحلم به وما نمارسه في حياتنا اليومية، أخلق بالتأكيد ما أظنه جديدًا، لكن التأثيرات تظل حاضرة، لا كتابة تُخلق من العدم أو من الفراغ، أما إعادة إنتاج المرء لما يقرؤه بشكل صرف، فأنا لا أظن أنّ هذا الشكل ينتمي إلى الإبداع الأدبي بكلّ تأكيد.


- حدثني عن القراءة وطقوسها… ما الكتب التي تستهويك؟ ماذا تقرأ اليوم؟ كيف شكل مكتبتك؟ ما الذي تريده من القراءة؟ هل تستمع إلى الموسيقا حين تقرأ؟


أقرأ يوميًا بنهم، تعويضًا عن سنوات قضيتها منشغلاً في لهاث العمل الصحفي، تستهويني الروايات بالطبع، الفلسفة، الشعر، تراث ابن عربي، لكنّي أقرأ في مختلف الفروع، أقرأ اليوم رواية بيت الديب لعزت القمحاوي، مختارات عزرا باوند، وأوراق العشب لوالت وايتمان، ترجمة رفعت سلام، الماركسيّة الجديدة لسلامة كيلة.


ما الذي أريده من القراءة؟ أن تتسع لدي عدسة الرؤية. أستمع إلى الموسيقا أحيانًا أثناء القراءة، أفضل الموسيقا الكلاسيكيّة أو أم كلثوم، الأغاني الصاخبة السريعة تعيقني عن القراءة بتركيز.


لدي مكتبتان، واحدة للكتب التي لم أقرأها، وواحدة للتي انتهيت منها، أعبّئ ما يفيض في كراتين، أتبرع بها أحيانًا، شراء الكتب يعادل بالنسبة إلي متعة التسوق، هذا فعل ينجح في معالجة الاكتئاب، لدي مكتبة إلكترونيّة كبيرة، أقرأ كتابًا ورقيًا وكتابًا إلكترونيًا بالتبادل، صفقة عادلة للناشرين ولزوجتي.


أحمد الفخراني

روائي وصحافي مصري من مواليد مدينة الاسكندريّة، حاصل على إجازة في الصيدلة. مقيم في القاهرة. صدر له حتى الآن:

ديكورات بسيطة (شعر) 2007

في كلّ قلب حكاية (بورتريه) 2009

مملكة من عصير التفاح (مجموعة قصصية) 2011

ماندورلا (رواية) 2013

سيرة سيد الباشا (رواية) 2016

عائلة جادو (رواية) 2017


1 مشاهدة

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

© 2020