top of page

الصوفيون في الثورة السوريّة

@ السفير 2013


«إذا حدا ضربني كف، بضربو كفّين. الصوفيّة لا تعني أن أسكتَ على الظلمِ والجور»، يبدأ الشيخ أبو عمر حديثه عن الصوفيّة، في ليلة باردة من شتاءات الشام. يرتشف قليلاً من الشاي الملازم لكلّ جلساته، ثم يتابع حديثه عن «محاسن الصوفيّة وأفضالها». وبانتقال الحديث إلى الثورة السوريّة، يتحدث عن طلاب العلم من أتباع الصوفيّة ممن تحولوا إلى مجاهدين يقتحمون ساحات المعركة من دون خوف.


المكان: غرفة صغيرة في منزل ريفي يتوسط مجموعة من الأشجار في إحدى بلدات الغوطة الشرقيّة. الجلسة على الأرض، تأخذ شكلاً دائريا، كأنّها تقليد متبع في تلك الغرفة. على الجدران صور كثيرة لشيوخ ومخططات لآيات قرآنيّة، وفي الوسط لوحة كبيرة علّقت بشكل واضح للعيان، عليها رسم لشجرة العائلة، يقول إن نسبها يعود إلى رسول الإسلام محمد.


يستفيض الشيخ أبو وليد بالحديث عن الحضرات التي كانت تقوم في هذه الغرفة، وحلقات الذكر والإنشاد، وعن المضايقات الأمنيّة لهم، والتي اشتدت بعد الثورة، وقبل تحرير المنطقة. يسود صمت قليل قبل أن يبكي الشيخ وهو ينشد سباعيّة كان مطلعها: «كم ليث يوم الوغى قد خضع لك وسد».


غير بعيد عن ذلك البيت، دكان صغير لبيع الأحذيّة المستعملة، لا يبدو أن أحداً يدخله بقصد الشراء. صاحب المتجر هو أبو سليمان، الأخ الأصغر للشيخ أبو عمر، وهو قائد إحدى المجموعات المقاتلة في الريف الشرقي للعاصمة. «طموحنا دولة تتسع لنا، لأحلام السوريين جميعاً، عدالة، مواطنة، مساواة، حرية، كرامة، لنا جميعاً»، يجيب ردا على سؤال حول أهدافه في سوريا بعد الثورة. لا يبدي أبو سليمان خوفاً من المستقبل، رغم حديثه المتكرر عن تجاوزات لبعض فصائل الجيش الحر والأخطاء الحاصلة من قبل الثوّار.


في بلدة أخرى من البلدات المتناثرة حول دمشق، كان الشيخ أبو الحارث يصلي إماماً بمجموعة من المقاتلين والإعلاميين المنتمين لإحدى الكتائب الإسلاميّة. يفرغ من صلاته، فيبدي قائد الكتيبة إعجابه بصوت شيخه بعد أن قَبّلَ يديّه، مستبقا إنشاد الشيخ لمقطع شهير من إحدى الأغاني الصوفية: «سلبت ليلى مني العقلا/ قلت يا ليلى ارحمي القتلى». ثم يشرح قليلاً عن الجهاد وفضائله لمستمعيه، قبل أن يختم حديثه بإعلان انتمائه إلى المدرسة الصوفيّة، وإلى الشيخ أحمد الرفاعي، «الشيخ الكبير» الذي تُنسب إليه الطريقة الرفاعيّة.


يسأله أحدهم عمّا يميّز هذه الطريقة عن غيرها من طرق عبادة الرحمن، فيجيب باقتضاب بأنّ «الطريقة الرفاعيّة هي طريقة علم وعمل». يختم حديثه، يلبس «جعبته» ويحمل بندقية القنص بيديه، ثم يغادر برفقة مقاتلين اثنين، ليلتحق بزملائه في جبهة جوبر.


لم يتردد الشيخ أبو الحارث بمشاركة مجالسيه مقطع فيديو صوره إعلاميّ رافقه وهو يقنص اثنين من قناصي النظام على خط الجبهة. لكنه يصرّ بشدّة على رفض نشره على موقع «يوتيوب»، رغم إلحاح بعض الحاضرين عليه. يشرح: «أنا طلعت مشان ربّ العباد، مو مشان شوف حالي قدام العباد»، معترضا على مظاهر «البهرجة» التي ترافق بعض عمليات «الجيش الحرّ».


يتجهّم وجه أبو الحارث عند سؤاله عن قوة السلفيين والوهابيين في صفوف «الجيش الحرّ». يسكت قليلاً، ثم يتحدث عن الدعم الذي يتلقاه هؤلاء على عكس المجموعات الصوفيّة ذات الدعم الذاتي. يوضح بأنّ المقاتل أو المجاهد يبحث عمن يوفر له بندقية للقتال، وهؤلاء يستطيعون فعل ذلك بكلّ يسر بسبب الأموال المتدفقة عليهم، على عكس الصوفيين.

في منطقة الغوطة، شيخ آخر هو والد أحد الثوار. نزح من وسط العاصمة إلى الريف خوفاً من الاعتقال. كان قد جلب معه مجموعة من الأوراق الصفراء كتب عليها «السطر المحمدي». وهي عبارة عن ورقة كُتبتْ عليها بعضُ آيات القرآن واسم النبي محمد بطريقة معينة، قال الشيخ بأنّها تحفظ المرء من كلّ شرّ. وقد وزع الشيخُ هذه الورقة على المقاتلين الذين رآهم، وقد أرسل بعضها إلى مدينة حمص مع أحد الثوار.


لم يكن الشيخ أبو فهد يفعل شيئاً غير الدعاء والإجابة عن الاستفسارات الدينيّة، بسبب مرضه، وأشد ما كان يغضبه رغم صبره الشديد، هو الحديث عن التمدد السلفي في البلاد، فهو يرى أنّ السلفية طارئة على المجتمع السوري «أرض الصوفيّة» على حد تعبيره، وقد ظهرت في السنوات العشر الأخيرة وأخذت بالانتشار والتمدد، واستغلت الثورة لنشر أفكارها المتطرفة في المجتمع السوري.


ورغم ذلك لا يجد الشيخ حرجاً في أن يتحاور الصوفيون مع السلفيين، لكن الخلاص من النظام يأتي في المرتبة الأولى. وبعد رحيل الأسد، يستطيعون حل مشاكلهم الدينيّة والفلسفيّة دون قتال، فالصوفي لا يقتل أخاه المسلم مهما كان توجهه، حسب تعبيره.

٧ مشاهدات٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل
bottom of page