آسٌ على قبر أخي الصغير في دمشق

@رصيف ٢٢


يغني صباح فخري في أغنيته "جاني حبيبي"، ضمن مطوّلة اسقِ العطاش: "أنا وحبيبي بين الآس، والكحل حارس لعيونه". أسمع الأغنية مرات عديدة، ترنُّ في أذني كلمة "الآس"، الشجر المعروف في بلادنا. أحاول أن أتذكر المرة الأولى التي سمعتُ فيها الاسم. المؤكد أنّ الاسم أصبح أكثر تكراراً في حياتي، وفي بيتنا، بعد موت أخي الصغير نوّار، في يوم التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر سنة 2005 حسب التقويم الميلادي، الموافق للسادس من رمضان سنة 1426 حسب التقويم الهجري، وكان يبلغ من العمر حينها، إحدى عشرة سنة وأربعة عشر يوماً.


عند مُسلمي الشام عادة زيارة القبور في يوم العيد الأول، إذ يبدأ الناس بالتوجّه صباحاً بعد صلاة العيد إلى القبور لزيارة أحبابهم، قراءة الفاتحة على أرواحهم ووضع شتلة من شجر الآس على حجر القبر. وفي الأيام التي تسبق صباح العيد، وخاصة في اليوم الأخير والذي يُعرف باسم "وقفة العيد"، تنتشر في شوارع الشام أشجار الآس، ويُقبل على شرائها من يريد زيارة القبور في اليوم التالي. مشهد يشبه مشهد انتشار أشجار أعياد الميلاد في شوارع المدن الأوروبية.


كنا نزور قبر نوّار صباح كل عيد، الفطر والأضحى، نضع الآس فوقه، نقرأ له الفاتحة ونسقي الورود التي كانت أمي قد زرعتها على القبر وحوله، أثناء زياراتها المتكررة كل اثنين وخميس لقبر صغيرها وآخر عنقودها. كانت المقبرة تمتلئ بالناس الذين لا يأتون إلى هذا المكان إلا صباح العيد.


أذكرُ نفسي في مساءات عديدة، ولأنني أصبحت صغير البيت بعد أن رحل نوّار، أشتري الآس وأحمله، آنذاك لم أكن أفكر بالكثير من الأشياء، كانت لي مهمة واحدة واضحة: أن أشتري آساً أخضرَ لنضعهُ على القبر في الصباح التالي.


حين يعيش المرء حياة عادية لا يفكر بأشياء عادية، كأن يشمّ رائحة الآس مطولاً كي يختزنها داخله، ومن ثم يستهلكها إذا ما غاب عن البلاد واشتاق إليها. لا يفكر واحدنا بالطرقات التي يقطعها، الشوارع التي يمرُّ بها، أشكال الأبواب التي يراها والناس الذين يلتقي بهم مصادفة. لا يلفت انتباه الإنسان العادي منظر النباتات المنتشرة في المقبرة ولا شكل بابها الحديدي الكبير. لكن، حين يصبح المرء بعيداً عن كل هذه الأشياء والتفاصيل التي لا تهم عادة، وحين يُجبر على العيش في المنفى سنوات طويلة دون أملٍ قريب بالمشي في شوارع يحبها أو لقاء أصدقاء أو زيارة قبور أحباب، فإن هذه الأشياء والتفاصيل التي لا تهم عادة تحتل مساحة شاسعة من ذاكرة المرء ووجدانه.


أتذكر شوارع دمشق. شوارع مدينتها القديمة وحاراتها العشوائية، أتذكرها كما لو تركتها بالأمس، رغم أني قد غادرتها منذ ما يقارب العقد من الزمن. أتذكر سعادتي في تلك المدينة وأتذكر أصدقائي، من قُتل منهم، من اعتُقل ومن هُجّر وقلة ممن بقوا هناك. أتذكر مياه عين الفيجة، أسواق المدينة وسياراتها وأضرحتها وأضواءها الليلية، أتذكر مطاعمها وباراتها ومقاهيها، أهلها ومدارسها وجامعاتها ومشرديها. أتذكر المدينة التي فتحت عينيّ للمرة الأولى فيها ورأيت العالم: عالم آخر غير هذا الذي أعيش فيه الآن. أتذكر المدينة وأعرف أن ذاكرتي تخدعني، وأن دمشق مدينة خراب وأنها حلوة في ذاكرتي لأنني بعيد عنها، منفيٌّ ومغترب، وهي في الحقيقة مدينة لا يُعاش فيها، مثل معظم مدن بلادنا الحزينة، لا حريات ولا عيش كريم ولا عدالة ولا خدمات. نحب البلاد فقط لأننا عاطفيون، نفكّر بقلوبنا لا بعقولنا.


لي في دمشق أصدقاء يعدّون على أصابع اليد الواحدة، وقبرُ أخي الصغير الذي ينتظر أن أضع الآس عليه وأسقيه بعضاً من ماء الشام الذي حُرمنا منه. لي في دمشق شوارع كبرت فيها وفيها عرفت الحب وتعلّمت لعب كرة القدم. لي في دمشق ذاكرة ثقيلة بحكايات قديمة. لي في دمشق طفولتي ومراهقتي تنتظرني هناك كي أعود وأكمل حكاية بدأتها.


لي في دمشق أحاديث لم تنته وأفلام لم تكتمل وموسيقى لم تُعزف. لي في دمشق ترّهات لم تُقل. لي في دمشق كل ما لي في الحياة، ولكن ليس لي في دمشق شيء. دمشق القريبة قرب شرايين القلب مني، دمشق البعيدة عني كما لو أنني لم أعرفها يوماً، وأنا الذي جاب شوارعها ماشياً من أقصاها إلى أقصاها. متعثر أنا اليوم، لا أستطيع المشي في شوارع أعرفها ولا تعرفني. شوارع دمشق تعرفني وأعرفها. شوارع دمشق التي شكلت قدمي وأنا أمشي فيها.


لي في دمشق شجرة آس أخيرة تنتظرني أن أضعها على ذراعي وأصعد بها الجبل الدمشقي، لأصل قبر أخي الواقف هناك، مراقباً خراب البلاد، أضع الآس على قبر نوّار وأقبّل اسمه المكتوب على الحجر، وابتسم لذكرى ذلك الطفل الصغير وأبكي على منفاي وعلى خراب بلادي.




0 عرض

© 2020